من الإبادة الجماعية إلى الإبادة التعليمية

بقلم: ذة. بوشرى بنونة
من الملفت للنظر في الحرب الأخيرة الشعواء السعراء الهمجية، التي شنها العدو الصهيوني على إخواننا في غزة، كونه استهدف العديد من البنى التحتية التعليمية: من جامعات، ومدارس، ومساجد، ومختبرات، ومكاتب، وحتى رياض الأطفال... بل طالت يداه الآلاف من الطلاب، والأئمة، والحاصلين على الشهادات العليا، من ماجستير ودكتوراه. مما يفسر أن العدو الصهيوني يقصد إبادة البنى التعليمية بكل مقوماتها. إذ هي واحدة من مكونات الإبادة الجماعية. فهل استطاع الكيان الصهيوني تحقيق ذلك؟ وهل فطن الفلسطينيون لهذا الأمر ؟
المعنى الدلالي للإبادة التعليمية:
الإبادة معناها التدمير الممنهج لجميع البنى التحتية للشعب الفلسطيني، على أساس العرق والجنس والدين واللغة...
والإبادة التعليمية معناها الاستئصال الواضح للتعليم من خلال اعتقال، أو احتجاز، أو قتل المعلمين والطلاب، والموظفين، وتدمير كل ما له علاقة بهذا القطاع الحيوي. لقد عمل العدو الصهيوني منذ عشرات السنين في حروبه المتكررة ضد الفلسطينيين على التخطيط الممنهج، إذ كان استهدافه الدائم للقطاعات المهمة التعليمية منها والصحية والاقتصادية، فهي شرايين الحياة لكل المجتمعات. لذا نجد العدو يركز في قصفه على إعطاب المدارس، والجامعات، والمستشفيات، وكذا اغتياله للأطر العليا والقادة باعتبارها المحرك الأساسي للمقاومة. والسبب في نشر الوعي والمساعد على ديمومة الإيمان بالقضية الفلسطينية، وعدم طمسها في نفوس الناشئة. إلا أنه ورغم كل الجهود المبذولة والمتكررة عبر هذه السنين، فإن العدو الصهيوني لم يتمكن من إرباك المنظومة التعليمية. فهي باقية مادامت القضية الفلسطينية دائمة ثابتة.
ولا أدل على ذلك مما نراه من مشاهد يومية لحفظة كتاب الله داخل المخيمات، يقول الله تعالى: " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ولعل التكتيك الذي ظهرت به الحرب الأخيرة "طوفان الأقصى" ، وكذا الآليات التي استعملت فيها، وطرق إدارة هذه الحرب، ليعلمنا حتما أنها نابعة من عقول متعلمة متنورة، تلقت تعليما عاليا سواء في التخطيط أو التنفيذ أو الإدارة. لكن الأمر الأهم الذي أود الإشارة إليه - والذي أبهر العالم بأسره - أن هذه العقول المتنورة المتعلمة، لديها إرادة قوية، وشخصية فريدة، وعزيمة عالية نابعة من الإيمان بالله والإيمان بالقضية. فالتعليم إن لم تكن غايته ومرماه رضى الله، وفي سبيل الله فلا يرجى منه بناء، لذلك كانت العملية التعليمية في فلسطين الأبية لها ارتباط قوي بالتربية الإيمانية التي مصدرها القرآن والسنة النبوية.
فلا يمكن صنع جيل محمدي دون هذين الأخيرين لأنهما المنبع والأصل. فالإعداد إعداد لقوة علمية وعقلية وبدنية وقلبية. ولقد وعت المقاومة هذا الأمر، فبالاضافة إلى تميزها العلمي فقد اندهش العالم بتميزها الإيماني الأخلاقي. فما رأيناه رأي العين في الحرب الأخيرة وما تميز به رجال المقاومة من أخلاق عالية إذ لم تطل أيديهم فيها طفلا ولا امرأة ولا شيخا. ولعل ما خلفه تعامل المقاومين مع الأسرى كان أمرا مبهرا فهو نابع من قلوب واعية مومنة تحرص كل الحرص على تبليغ الرسالة المحمدية قبل كل شيء، على صورتها الحقيقية لا كما يصورها الآخر. لذلك فالتعليم النابع من الإيمان هو أساس بناء الأجيال القادمة من جيل التحرير. ولقيام وتطور الحضارات يجب الانتباه الجيد وعدم السماح لأحد بهدمه أو التقليل من شأنه.
ختاما فالكرامة الإنسانية والآدمية لا يطالب بها إلا كل واع متعلم، فإن غاب التعليم غابت الكرامة، وغابت الآدمية، لذا أصبح لزاما إعادة الاعتبار لهذا المكون والاهتمام به الاهتمام اللازم حتى تتحرر رقاب العباد من الاستبداد والاستكبار .









