موسم "الهروب الكبير" .. ما الذي تعنيه محاولات الهجرة الجماعية للمغاربة إلى الضفة الأخرى؟

"الحريك" عبر قوارب الموت
اختار الإعلام لسنوات خلت مصطلح "الهجرة السرية" للحديث عن الآلاف من الذين اختاروا عبور البحر الأبيض المتوسط بحثاً عن مستقبل أفضل. بيد أنه سرعان ما عجز هذا المصطلح عن توصيف أعداد وحجم الهجرة المعلنة والمتدفقة صورها وأحداثها عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، حتى صارت أقرب إلى النزوح الجماعي "المعلق" إلى أن تسنح فرصة أو تلوح من بعيد.
المغامرة المجهولة عبر قوارب الموت، وأعداد الموتى من الشباب والمراهقين في عرض الأبيض المتوسط، كانت بمثابة مأساة تقدم نموذجا عن حجم اليأس القاتل الذي وصلته شرائح واسعة من المجتمع، وتتاجر فيه مافيات "الهجرة" التي تعد بإيصالهم إلى "جنة" الضفة المقابلة، ورغم كل السوء الذي مثلته تلك المشاهد، فقد شكلت الهجرة الجماعية سباحةً مشهداً أكثر سوءاً، وخلّفت صدمة حتى لأشد المتشائمين.
زوارق الفانتوم
منذ ثلاث سنوات انفجرت هجرة من نوع آخر، فرضها تغير الوسيلة، حيث صارت الهجرة تتم على مرآى ومسمع الجميع في مواقع التواصل الاجتماعي، وأخطر ما كان في هذه الموجة الجديدة للهجرة، هو هجرة الأسرة بكاملها، الأب والأم والأطفال، حيث عرفت الموجات السابقة هجرة الابن أو الأب وحده، الذي يبحث عن مورد رزق يعيل به أسرته عبر ما يحول المهاجر إلى أسرته، بينما تحوّل الأمر الآن إلى ما يشبه المغامرة الجماعية في البحر بالزوجة والأبناء، إنقاذاً للأسرة كلها من واقع أليم ومستقبل مجهول.
الأزمة التي عرفت باسم "زوارق الفانتوم" كانت سببا في عودة موجة مرعبة من الراغبين في اللجوء للالتجاء إلى المدن الشمالية. وسجلت الإحصاءات الرسمية آنذاك وصول أكثر من 1300 قارب منذ بداية سنة 2018، كان على متنها 39 ألف شخص تقريبا بمعدل 30 فردا في كل زورق، وهو اعتبرته وسائل إعلام ومراقبون تسجيل رقم قياسي لم تعهده إسبانيا منذ ما قبل الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد سنة 2008.
يومها اختارت السلطات أن توقف هذه الموجة بفتح النار مباشرة على أحد الزوارق، في سابقة خطيرة من نوعها، ما أدى إلى مقتل طالبة مغربية عمرها 22 سنة برصاص البحرية الملكية المغربية، عندما كانت على متن مركب يستقله مهاجرون في طريقه لإسبانيا. ما خلّف موجة غضب هائلة بسبب "القتل بدم بارد لمن أراد مغادرة بلد الفوارق الاجتماعية والفقر والقمع" حسب حقوقيين. خاصة وأنه لم يكن هناك "أي دليل على أن الركاب كانوا يشكلون خطراً أمنياً على أحد، وهو التبرير القانوني الوحيد الذي قد يضطر المغرب إلى إطلاق النار بسببه" كما قالت هيومن رايتس ووتش.
أزمة كورونا وعودة الهجرة
رغم كل المعاناة الاجتماعية والاقتصادية التي تنخر الشباب المغربي، حسب ما تؤكده تقارير رسمية، وما زادته جائحة كورونا من تعميق للأزمة المستفحلة، اختارت السلطة استعراض موقفها السياسي بإقفال معبر ترخال الرابط بين سبتة والفنيدق، وكذلك المعبر الرابط بمدينة مليلية، باعتباره إنجازاً دبلوماسياً تحققه الدولة، مع غياب أي توضيح أو تفصيل رسمي في خلفيات القرار ودوافعه الحقيقية، ودون توفير أي بديل اقتصادي ينقذ آلاف العاطلين والعاملين في التهريب.
الاحتجاجات الغاضبة التي انفجرت هذه المرة في مدينة الفنيدق في شهر فبراير الماضي طالبت بإعادة فتح معابر التهريب جراء تدهور الوضع الاقتصادي الكارثي بمنطقة الشمال، لكن مضمونها الحقيقي هو التعبير عن رفض الاستهتار الرسمي بشعب يرزح تحت نير الفقر، والبطالة، والإحباط من أي تغيير ممكن بسبب استشراء الفساد، وتعتبر أيضاً مؤشراُ عن شعور متزايد لدى شرائح واسعة من المجتمع من خيبة أمل كبيرة، سببها التراجعات السياسية والاقتصادية والحقوقية التي تغذي وتصنع يأساً وإحباطاً يفجر في كل حين عودة محمومة نحو الهجرة إلى أي مكان آخر.
السلطات لم تعرف كعادتها رداً غير الاعتقال والقمع، حيث اعتقلت بشكل عشوائي أربعة شباب، ثم عاودت الكرة باعتقالات متفرقة عند رفض توقيف الاحتجاج، ما زاد من لهيب هذه الاحتجاجات والمنخرطين فيها، مما دفع السلطات إلى إطلاق عدة وعود، من أجل احتواء الوضع، بعقد لقاء مع منتخبي المنطقة، والإعلان عن إطلاق برامج تتعلق بـ "بلورة وتفعيل آليات الدعم والمواكبة من أجل تحسين قابلية التشغيل وتحفيز ريادة الأعمال للفئات الهشة، خاصة النساء والشباب"!
هدأت الاحتجاجات قليلا لكن سرعان ما استفقنا، بعد أقل من شهرين، على خبر توجه أكثر من ألف شاب إلى مدينة سبتة سباحة، ومجدداً كان بطل الواقعة عنصر من القوات المساعدة ظهر، في شريط تم تداوله على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي، وهو يعتدي بالضرب والركل على شاب حاول الهجرة، بجانب أحد شواطئ مدينة الفنيدق، ومعه عنصران آخران من القوات المساعدة بجانب 3 أشخاص جالسين على الأرض، وهو ما خلّف حالة من الاستنكار والغضب الشديد تجاه من يخيّرون المغاربة بين البحر والعصى.
لم تفلح، إذاً، كل الوعود الزائفة في ثني المقهورين عن المغامرة في عرض البحر، بعد أن صار الخروج للتظاهر سببا في المتابعة أو الاعتقال. وبقيت الواقع نفسه، والسياسة نفسها، وازداد الوضع الاقتصادي السيء سوءاً، ولا أمل يلوح في الأفق، وأنهت موجة الهجرة هذه كل المشاريع التي روّجت لها السلطات من أجل احتواء احتجاجات سكان الفنيدق.
دبلوماسية "استرخاص الشعب"
في صبيحة يوم 18 ماي 2021 انتشرت صور مرعبة، عن احتشاد الآلاف من الشباب والأطفال والنساء على ساحل مدينة الفنيدق المحاذي لمدينة سبتة، وقاموا بالتوجه للمدينة سباحة عبر أقرب نقطة للحدود، وسجلت مدينة سبتة بذلك أكبر هجرة في تاريخها، بأزيد من 6 آلاف شخص في يوم واحد، من بينهم 1500 قاصر، حسب الأرقام الرسمية التي أعلنتها السلطات الإسبانية.
الصور التي انتشرت كالنار في الهشيم في مواقع التواصل الاجتماعي، للعبور الآمن والسريع عبر الحدود، سرعان ما حركت الآلاف من أجل التوجه إلى مدن الشمال، حيث وثقت الصور والفيديوهات توافد المئات من الشبان في وسائل النقل، ومشياً على الأقدام من أجل الوصول إلى حدود مدينة سبتة، يحركهم بشكل كبير ما رأوه من تدفق لا تمنعه أي قوة أمن مغربية.
وبعد تضارب التكهنات من هنا وهناك، واختيار السلطات المغربية الصمت المطبق إزاء هذه الهجرة غير المسبوقة إلى سبتة، خرجت السفيرة المغربية بإسبانيا لتقول إنه: "في العلاقات بين الدول هناك أفعال لها عواقب ويجب تحملها"، ثم جاء تصريح وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان، مصطفى الرميد، ليحسم كل خلاف بقوله أنه "من حق المغرب أن يمد رجله، لتعرف اسبانيا حجم معاناة المغرب من أجل حسن الجوار، وثمن ذلك، وتعرف أيضا أن ثمن الاستهانة بالمغرب غال جدا، فتراجع نفسها وسياستها وعلاقاتها، وتحسب لجارها المغرب ما ينبغي أن يحسب له، وتحترم حقوقه عليها، كما يرعى حقوقها عليه"! وذلك بعد أن طرح السؤال المفتوح التالي: "ماذا كانت تنتظر إسبانيا من المغرب، وهو يرى أن جارته تأوي مسؤولا عن جماعة تحمل السلاح ضد المملكة؟".
يؤكد تصريح الوزير ما ذهب إليه أشد المتشائمين، وهو أن المغرب الرسمي هو من أطلق هذه الموجة، بإيعاز وتخطيط، أو على الأقل بغض الطرف والسماح لهذه الهجرة الجماعية للآلاف من الشبان نحو سبتة لتتدفق على الإسبان، رداً على استقبالهم لزعيم "البوليساريو" دون تشاور أو تنسيق.
"مدّ الرجل"، إذاً، هو شعار الدبلوماسية المغربية الجديد، وأطرافه أمواج من الأطفال الرضع والقاصرين والنساء والمعاقين، مما يعني أن حال الاستهتار بالشعب وصل بدولتنا إلى حد خوض معارك الابتزاز والاتجار بفقر أبناءه وجهلهم وواقعهم المرّ، في معارك سياسية أو دبلوماسية آخر ما يؤرق بالها الالتفاف إلى شعب مسحوق تحت نير الفساد و"الحكرة".
غضب عارم على "الفضيحة"
لم تكتف الدولة بإعلان فشلها في إيجاد أجوبة حقيقية للمشاكل والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيش على وقعها المواطنون والمواطنات، ولا أن المقاربة الأمنية هي الجواب الوحيد الذي تملكه في وجه المطالب المشروعة، بل حولت صورتها، من حيث لا تدري، إلى فضيحة دولية تتناقلها الصحف العالمية.
ما اعتبره البعض إنجازاً دبلوماسيا صار "شوهة عالمية"، فصور الطوفان البشري خلّفت ردة فعل غاضبة، تعبيراً عن الدهشة والاستغراب الشديد من عدم تدخل قوات الأمن لمنع أسر كاملة تلقي بأطفال رضع في عرض البحر دون أن تحرك ساكناً، وما أثار "الألم" هو مقاطع فيديو ترصد إلقاء أمهات لفلذات أكبادهن مترقبين وصولهم إلى الضفة الأخرى.
خالد البكاري قال إن "مشهد الأمهات يتابعن عملية الفرار الجماعي، أقسى من صورة القاصرين عند بلوغهم سبتة.. هي صورة تلخص كل الحكاية"، وأضاف "الحكاية وما فيها أن بلدا تحول لمعمل يفرخ البؤس، وما البؤس إلا موت الأمل".
الناشط الحقوقي انتقد "تبرير مشاهد الفرار الجماعي نحو سبتة بأنه تدبير “ذكي” من المغرب في سياق أزمته الدبلوماسية مع إسبانيا"، معتبراً أن "تصوير دولة تمارس الاتجار بالبشر في علاقاتها الخارجية هو الإساءة بعينها".
من جهته قال محمد الشرقاوي إن "مزاج التشنج والارتجال السياسي أصبح لسان حال الرباط في التعامل مع دول الجوار الأوروبي" مضيفاً أنه قد "بدأ السيرك الجديد واستخدام آلاف المغاربة بمثابة كومبارس العرض غير الدبلوماسي في مسرحية “ليلة الانتقام من مدريد".
وفي المقال الذي نشره الشرقاوي تحت عنوان: "من دبلوماسية الانفعال إلى دبلوماسية الإنزال الجماهيري" أوضح بأن "الضغط بشبح الهجرة غير النظامية لن يحرج مدريد أو الاتحاد الأوروبي في بروكسيل، بقدر ما يستعرض فشل حكومة الرباط في احتواء أزمة الاحتباس المعيشي ومعدلات البطالة المرتفعة بين سكان الفنيدق وبقية المناطق المتضررة من إغلاق باب سبتة وإيقاف الحركة التجارية في حقبة كورونا. هو افتعال أزمة خارجية مع جيران الشمال للتمويه عن أزمة داخلية متدهورة".
أستاذ تسوية الصراعات الدولية والعضو السابق بلجنة خبراء الأمم المتحدة أضاف أنه "عندما تباشر السلطات الإسبانية عملية إعادة ترحيل جلّ المهاجرين والمهجّرين أو عدد منهم إلى المغرب، كيف سيمكن لهؤلاء القاصرين إعادة تأهيل نفسياتهم وأذهانهم ونسيان أحلامهم الملتهبة في صدورهم، بعد أن وطأت أقدامهم "أرض إسبانيا"، وأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق "الحلم الأوروبي". هم عينة من جيل حالم حتى النخاع يعيش الغربة في الداخل ويستميت من أجل تحقيق ذاته في الخارج. هم جيل يؤمن أن "هناك" أفضل من "هنا".





