مولد النور في زمن العتمة: قراءة في دلالات مولد الرسول عليه الصلاة والسلام

يحمل الثاني عشر من ربيع الأول مكانة راسخة في الذاكرة الإسلامية، لارتباطه بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك الميلاد الذي ارتبط بتحول عميق في مسار التاريخ الإنساني، وبداية مرحلة جديدة أعادت صياغة علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالمجتمع من حوله.
عام 571م لم يكن عاما عاديا، كانت البشرية في قاعها الأخلاقي؛ في الشرق والغرب إمبراطوريات تقوم على القهر، وفي جزيرة العرب أوثان تعبد وقبائل تتناحر لعشرات السنين، والمرأة توأد، والإنسان تحول إلى بضاعة تباع وتشترى، والضعيف لا حق له.
كان العالم قد استنفد كل نماذجه في إيجاد حلول لإنقاذ البشرية. وفي هذا التوقيت بالذات، ولد طفل يتيم في بيت بسيط في مكة، لا جيش معه ولا مال ولا نسب ملكي، لكن معه فكرة خالدة ووحي مقدس غير مصير العالم القديم.
كان هذا الميلاد بداية لمسار حضاري امتد أثره إلى حياة الناس؛ فما الذي أحدثه هذا المولود بعد أربعين عاما؟ جاء بمشروع كامل للحياة، نقل الناس من عبادة الحجر إلى عبادة الله، ومن الثأر القبلي إلى دولة القانون، ومن وأد البنات إلى «الجنة تحت أقدام الأمهات»، ومن الجهل المقدس إلى «اطلبوا العلم ولو في الصين».
خلال ثلاث وعشرين سنة فقط، تحولت جزيرة العرب من فوضى قبلية إلى دولة موحدة، وتحولت رسالته خلال قرون إلى حضارة امتدت من الأندلس غربا إلى الهند شرقا؛ وهذا أثر فكرة ولدت مع صاحبها، وزكاها الإله بوحيه وهديه.
نحن اليوم نحتاج ذكرى المولد النبوي لنقيس بها الحاضر؛ فالعالم اليوم يعيش فراغ القيم، وضلالا في الفكر والمعتقدات، وانحرافا عن الطريق المستقيم.
ومولد البشير صلى الله عليه وسلم يذكرنا بقيمة الإنسانية ومكانتها، وبالمعاني التي حملتها رسالته في إعادة الاعتبار لفطرة الإنسان. «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» جملة واحدة، لخصت مشروعا كاملا يتجلى في بناء الإنسان على مكارم الأخلاق.
المولد النبوي ذكرى حاضرة في الوجدان، وهو سؤال مفتوح؛ هل نحن مستعدون أن يولد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فينا من جديد؟ ليحرك الوازع فينا، ويحرر أفكارنا من الباطل والمعتقدات المغلوطة، وليعيد تشكيل بناء الإنسان وفق إرادة الله وسنته في خلقه.
لقد حمل ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم رسالة تجاوزت حدود المكان والزمان، وارتبطت بالمعنى والرحمة والنور، وبناء الإنسان على أساس الهداية ومكارم الأخلاق.
لذلك كلما اشتد ظلام العالم، سنعود تلقائيا إلى الثاني عشر من ربيع الأول، بحثا عن بوصلة ترشدنا إلى طريق الخلاص والنجاة؛ لأن البشرية تحتاج إلى ميلاد جديد للقيم، وإلى فهم عميق لمآل الإنسان ومصيره، واستيعاب الهدف من خلقه ووجوده على هذه الأرض، بما يعيد الإنسان من جديد إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها.







