هل تطلق الوثيقة السياسية دينامية واعدة للتغيير؟ د. بويبري يجيب خلال جلسة حوارية

أوضح الدكتور رشدي بويبري عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، أنه بالحديث "عن الدولة الثيوقراطية فإننا نعرف أنها الدولة التي يحكمها مبدأ "Le droit d’EVA" التي عبر عنها لويس 14: "أنا أحكم بموجب تفويض إلهي"، وبالتالي باعتقادنا وباعتقاد مفهوم المفكرين المسلمين الذين ناقشوا مفهوم الدولة وتطورها في التاريخ، فإن الدولة الدينية بهذه الخلفية التي نشأت في الفضاء السياسي والاجتماعي الأوربي ليست هي الممكن الكلام عنها".
وأضاف، وهو يجيب عن سؤال الأستاذ فؤاد عبد المومني حول معنى الدولة المدنية غير الثيوقراطية المقصودة في الوثيقة السياسية للجماعة، وعن موقع الحريات الفردية في مشروع الجماعة، خصوصا مع اعتبارها الدين مرجعا للتشريع: "الوثيقة تحدثت على أننا لا نريد دولة ثيوقراطية باعتبار أن فيها وصاية طرف واحد على المجتمع بمنطلق ديني"، مشيرا إلى نقاش سبق أن "دار بين العلامة عبد العزيز بن الصديق رحمة الله عليه ووزير الأوقاف السابق الذي تكلم في درس حسني عن حديث "خليفة الله في الأرض"، فناقشه في كون الأخذ بالحديث بهذه السطحية يعطي تفويضا مطلقا للحاكم ويؤلهه".
بالنسبة للحرية، اعتبر المتحدث الذي كان ضيفا على برنامج "المغرب في أسبوع، رؤى متقاطعة" يوم الجمعة 16 فبراير 2024 حول موضوع "هل تطلق الوثيقة السياسية للعدل والإحسان دينامية واعدة للتغيير في أفق منظور؟" بثته صفحة هوامش على فايسبوك؛ أداره الإعلامي عماد ستيتو وحضره ضمن المحاورين الدكتور خالد البكاري أيضا، أن النقاش حول مفهوم الحرية "نقاش مهم جدا، والحرية معضلة كبيرة، في تاريخ الفلسفة والفكر الفلسفي وحتى في تاريخ الأديان، نوقشت بتفاصيل كبيرة جدا". مبينا أن "الإشكال الحاصل في جوهر الأمر هو تدبير الحرية لا الحرية في حد ذاتها، فالحرية صفة لازمة للإنسان وإلا لا يمكن أن يسمى إنسانا إن لم يكن حرا، ولكن تدبير الحرية؛ باعتبار أن الإنسان لا يعيش وحده فهو يعيش داخل جماعة بشرية مبنية على التعايش والتبادل وعلى عدد من العناصر كي تستمر جماعة بشرية ومجتمعا ولا ترجع للفردنة والتفتت، أمر أساسي، لأجل ذلك قيل إن هناك فضاء خاصا وفضاء عاما؛ في الأول الذي هو الدائرة الخاصة لكل فرد، يملك الفرد مساحة مهمة وواسعة من الحرية، ولكن في الفضاء المشترك تصبح هذه الحرية حريات، وبالتالي يجب تدبيرها بحيث أن هذا الفضاء المشترك بين الناس يصبح محكوما بقيم وضوابط يشعر الجميع من خلالها أن حريته لا تنتهك فيها، وهنا وضع الناس ضوابط تدبير المشترك البشري بحيث لا تعتدي حرية الأفراد على حرية المجموع".
عماد ستيتو؛ تدخل ليستفهم عن اقتراحات الجماعة لهذا التدبير، ليرد عليه بويبري بأنه "خلال التاريخ البشري تم تدبير هذه الحرية، لسنا بصدد بدء القول به، هذا أمر جميع المجتمعات البشرية التي استطاعت أن تحافظ على تماسكها قامت بذلك، عن طريق وضع آليات سواء عرفية أو قانونية أو قيمية اجتماعية، وإلا ستتحول لما نراه الآن، فعندما ينظر للحرية من منظور فرداني فإنها تخلق مشاكل وصراعات وأزمات" واسترسل مجليا موقف الجماعة من موضوع الحريات الفردية: "الإنسان في أي بيئة اجتماعية يلزم أن يعيش بكرامة وسعادة ويتمتع بحريته، هذه هي البوصلة، كلما اتسعت مساحة الحرية كلما عاش الإنسان هذه المعاني أكثر، كلما كان أكثر استقرارا في حياته وأكثر شعورا بالكرامة وبالفاعلية، إذن فيلزم أن نوسع دائرة الحرية أقصى ما يمكن، ولكن يلزم أن يكون هناك ضابط، الضابط أن تكون الجماعة قادرة على الاستمتاع بهذه الحرية لا الأفراد وحدهم، وأيضا أن نراعي التوازنات والقوى داخل المجتمع البشري، في المجالات السياسية والقيمية والاجتماعية، فعندما نتكلم عن تدبير الحرية يجب أن نستحضر هذا الأمر، مجتمع فيه أغلبية وأقلية، ويجب أن يكون هناك توازن بين أن تستفيد الأقلية من حريتها ولكن دون أن تكون على حساب المجتمع" وزاد مفصلا: "نقيض الحرية هو الإكراه أو الفرض، لهذا في الإسلام مبدأ أساسي "لا إكراه في الدين"؛ فالاعتقاد لا يُفرض والانتساب للدين لا يفرض، بشقيه الاعتقادي والسلوكي، لذلك في تقديرنا أن مساحة الحرية التي يعطيها الإسلام مساحة واسعة جدا". في المغرب "مساحة الحرية نطاقها ضيق، فأنماط الحرية الفردية أتيح لها الباب كي تغطي على الحريات العامة، فنحن نتكلم عن اختلال هائل في وضعية الحرية لدى المواطن المغربي، والأفق الذي نراه أن المواطن يجب أن يعيش وضعا أفضل بكثير من الوضع الحالي، لكن الإسقاط على نماذج قائمة نشأت في سياقات ثقافية واجتماعية وتطورات تاريخية مختلفة، إسقاط غير موضوعي". ليخلص إلى أنهم في جماعة العدل والإحسان يعتبرون "أن توسيع دائرة الحرية من خلال قيمنا ومبادئنا يمكن أن يكون بشكل أكثر مما يتصور".
الدكتور خالد البكاري طرح سؤالا حول مؤسسة الدائرة السياسية التي أصدرت الوثيقة، هل هي تعبير أو ذراع سياسي لجماعة العدل والإحسان؟ أم أنها يمكن أن تتطور إلى أن تشكل في المستقبل حزبا سياسيا منفصلا عن الجماعة من الناحية التنظيمية والتسييرية والمالية ولكنه ينهل من الخطوط العريضة للجماعة؟
في هذا الموضوع ذكّر بويبري أن "العلاقة بين البعد الدعوي والبعد السياسي نقاش أعطاه الأستاذ عبد السلام ياسين وقتا كبيرا سواء في تقويم التجربة الإسلامية خلال التاريخ والنموذج الذي بنى عليه فكره ومشروعه أو في استقراء تجارب الحركات الاجتماعية خلال التاريخ، في كتاب "الإسلام غدا" هناك قراءة لحركة الإخوان المسلمين والتجربة الماوية واستحضار أفلاطون، وأيضا في باقي المؤلفات". كاشفا أن "هذه الإشكالية؛ التدبير السياسي والدعوي أو الواجهات المختلفة لعمل الحركة الإسلامية، خاضت فيه الجماعة نقاشا كبيرا كان من مخرجاته حسب تجربتها وخبرتها تأسيس الدائرة السياسية"، مؤكدا أن الظروف (الوضع الخارجي) كان لها دور في النقاش؛ "الحصار على الدعوة وحصار الجماعة والتضييق عليها، وحتى المناخ السياسي داخل البلاد والفاعلين السياسيين، مع التحولات التي طرأت وجدوائية مفهوم الحزب في الفضاء السياسي المغربي، كلها أمور توجه النقاش وتؤثر فيه". ومشددا أن مسألة تحول الدائرة السياسية إلى حزب "أمر متروك للنقاش الداخلي، حصل فيه جزء مطروح ليس جديدا ولكن منذ لحظة تأسيس الدائرة، ولكن الملف ما يزال مفتوحا للنقاش، هل سيذهب في اتجاه حزب؟ هذا أمر تتحكم فيه الشروط الموضوعية أكثر من الذاتي. لكن الدائرة السياسية كيان سياسي قائم بمؤسساته وأطره ونخبه، وحضوره في الميدان ظاهر".
ونبه عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان إلى كون الاقتراحات الواردة في الوثيقة إن قرئت "في القضايا القطاعية والمجالية لوحدها تجدها تماثل مشروع اقتراحات أي حزب، ولكن عندما نتكلم أننا نحتاج إلى نظام سياسي قائم على شروط وأصول، ولما نتكلم على أن المدخل الأساسي لتأسيس نظام عدل وكرامة وحرية والذي سيقضي ويتجاوز هذه المرحلة البئيسة والتاريخ المظلم للاستبداد والفساد، فنحن نتكلم عن تأسيس جديد لا استمرارية في إطار ما هو واقع" ردا على ملاحظة البكاري أن الاقتراحات الواردة في الوثيقة توحي بأن الجماعة لا مشكل لها في العمل القانوني ضمن النظام إذا تغيرت بعض الشروط.
وزاد بويبري موضحا: "نحن نتكلم عن تأسيس وضعية جديدة، هذه الوضعية الجديدة الفاعلين القائمين عليها الآن؛ دورهم وأوضاعهم مطروحة للنقاش المجتمعي لا على الجماعة وحدها، العدل والإحسان أعطت رؤية، لكن كل الفاعلين المجتمعيين، خصوصا الذين يفكرون في مستقبل البلد ويريدون التوافق والتآلف في جبهة حقيقية مناهضة للفساد والاستبداد القائم، طبيعي أن يكون لهم مساهمين في هذا الانتقال وكل ما يرتبط بالتأسيس الذي نتكلم عنه".
الجلسة الحوارية تطرقت للعديد من القضايا، يمكنكم الاطلاع عليها في هذا الشريط:








