وأقبلت عشر العتق

مرت عشر الرحمة، ولحقت بها عشر المغفرة، وأقبلت علينا عشر العتق من النار مهيبة جليلة مزهوة.. وحق لها ذلك. إنها العشر الأواخر من الشهر الفضيل وما أدراك ما العشر الأواخر!!
فما فضل شهر رمضان إلا لأن به هذه العشر الكريمة، وما فضلت العشر الأواخر إلا لأن بها ليلة القدر المجيدة، وما عظمت ليلة القدر إلا لأن بها لحظة مباركة عظيمة لحظة اتصال السماء بنور الأرض حيث نزلت أولى قطرات الهدي الرباني الكريم..
فنحن إذن نصوم رمضان ونكثر فيه من الطاعات والعبادات شكرا لله على نعمة النور السماوي والوحي الإلهي الذي جعله المولى سبحانه رسالة خاتم الأنبياء وسيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والتسليم.
وقد جعل الله الرحيم بعباده العشر الأواخر فرصة لمن أحسن في أول الشهر أن يستزيد، ولمن أساء أن يستدرك ما فاته.
فالعشر هي خواتيم الشهر وكلنا يعلم أن الأعمال بخواتيمها..
كما رسم رسول الهدى صلى الله عليه وسلم للأمة في هذه العشر خير نهج يوصلنا إلى الغاية المنشودة ويحملنا إلى منازل السعداء المقربين، فكان عليه الصلاة والسلام يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، ففي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله" وقالت أيضا: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله".
إذن هو الإنقطاع التام عن ملاهي الدنيا والإقبال على الآخرة والاشتغال بعبادة الله عن كل شاغل التماسا لليلة القدر العظيمة التي حباها الله بمجموعة من الفضائل والمكرمات حيث فيها أنزل الله القرآن الكريم ليخرجنا به من الظلمات إلى النور، ووصفها سبحانه بأنها خير من ألف شهر، وبأنها مباركة تتنزل فيها الرحمة والبركة، كما تتنزل فيها الملائكة والروح وهو جبريل عليه السلام لقدرها وكثرة خيرها، وهي سلام من كل سوء حتى مطلع الفجر، وفيها يفرق كل أمر حكيم فيفصل من اللوح المحفوظ ما هو كائن في السنة كلها، يغفر الله لمن قامها إيمانا واحتسابا، فقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، كما أنزل الله تعالى في شأن هذه الليلة المباركة سورة تتلى إلى يوم القيامة هي سورة القدر، وخصها الحبيب صلى الله عليه وسلم بدعاء مخصوص، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله: أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول: قال: قولي: "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني".
ويستحب في هذه الليلة العظيمة المحافظة على الصلوات المفروضة في وقتها مع الإكثار من النوافل وخصوصا في الثلث الأخير من الليل، كما يستحب أن يطيل المرء في قراءة السور أثناء الصلاة، ويكثر من ذكر الله تهليلا وتسبيحا واستغفارا وصلاة على الحبيب عليه الصلاة والسلام، ويكثر من الدعاء والإفتقار بين يدي الله عز وجل، دون أن ننسى الإكثار من تلاوة القرآن الكريم الذي هو سبب عظمة الليلة وعلو شأنها..
هي ليلة من فاتته فهو مغبون محروم، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم".
فنسأل الله عز و جل ألا يحرمنا بركة العشر الآواخر ولا خير ليلة القدر وأن يجعلنا من عتقائه.









