وزير غرناطة: من تشكيل الماضي في الخيال إلى بناء الحقيقة في الحاضر

بقلم: الحسين كوكادير
أشياء كثيرة تحصل، وأمواج متجددة تهبُّ وتضرب، وماء غزير يجري عبر الجسر، أو بالأحرى يمر من تحته بهدوء. لكن ما السبيل إلى اكتشافه ومعرفته بالنسبة لمواطن أثقله الهمّ الاجتماعي، وأقعده الوضع الاقتصادي، وشتّت ذهنه الواقع السياسي المملّ الكئيب.
كيف يعرف مواطن وطنٍ لا يزال يعيش تمييزا صريحا، وتفاوتات خطيرة اجتماعيا ومجاليا. فجوات كبيرة بين المدن والبوادي الكبيرة والقرى النائية؛ بين كل شيء مكدس متوافر في أسماء أرادها أصحاب القرار أن تكون عَلما (وهذا ليس مشكلة لدينا)، وبوادٍ كبيرة وأقاليم شاسعة متقابلة معها ومتجاورة لها في الشمال وفي الجنوب، في الشرق وفي الغرب (وهذه المشكلة الأكبر بالنسبة لنا)، بلا بنية تحتية ولا خدمات أساسية؛ لا صحة ولا نقل ولا طريق ولا ماء صالح للشرب (الحوز، أيت بوكماز، سيدي حرازم، سيدي رحال، ساكنة إغرضان التي خرجت اليوم للاحتجاج… عناوين كبرى لأزمة تستفحل يوما بعد يوم في ربوع الوطن). بوادٍ ومناطق تعيش الفقر والحرمان والتهميش من جميع النواحي، إنه "الاستبعاد الاجتماعي" في أرقى عناوينه وأقوى مظاهره. حتى أولئك الذين يقاومون هذا الاستبعاد، ويتركون أرضهم وأهلهم من أجل لقمة العيش في هذه المدن الكبرى، يجدون صعوبات وتحديات في الاستقرار المهني والاقتصادي والاجتماعي، حيث "ماكينة" الاستغلال تنتظرهم لابتلاعهم بأرخص الأثمان.
كيف يكتشف مواطنُ وطن شعبه يعيش صباح مساء غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار مس حتى الأمور البسيطة التي يعيش بها ومنها الأسر المتوسطة والفقيرة والطلبة كالخبز والبيض والحليب والخضروات والزيت…؟
كيف ينتج مواطن وطن شبيبته تفضل المغامرة بروحها وحياتها في عرض البحر، وفي محاولات متتالية متكررة، تتحدى الطبيعة والدولة والأمن الحدودي، آخرها ما حصل في ليلة 15 غشت من الشهر الجاري في مدينة سبتة المحتلة، هربا من الضغط اليومي وألم المعيشة، وخوفا من الانحراف في بيئات عناوينها البطالة والمخدرات وشبح المستقبل؟
كيف ينخرط مواطنُ وطنٍ ملّ من خطاب سياسي وحزبي يولد ميّتا، وبرامج انتخابيّة تتكرر على مسامعه كلما أتت لحظة تحريك اللعبة. خطابات تحضر لتغيب، وتُستعمل لتَستغِلّ، وتُروّج لتُمني وتغطي على واقعٍ حقيقتُه: شعور المواطن بأنه لا قيمة له، لا صوت له، لا من يمثله تمثيلا كافيا. انتخابات شكلية صورية، ومحسوبية وزبونية وفساد منتشر أينما ولّيت وجهك، دخلت إلى إدارة، احتجْت إلى ورقة، بحثت في صحافة، اجتزت مباراة مهنة. أما الفساد الأكبر في المستويات الكبرى فعناوين الصحف مليئة بأسماء الوزراء وجزء من "النخبة السياسية" الفاعلة في المشهد السياسي الرسمي اليوم.
إنّه لا سبيل إلى ذلك والمعلومة محصّنة، والقناة موجَّهة، والنخبة صامتة. وحتى تلك الأجزاء من الحقيقة التي تروج وتنشر هنا وهناك مصادرها مجهولة أو أصحابها من الجهات المعلومة.
مما يعني أنه لم يبق للمواطن إلا أن يستنير بأخبار الأولى وتحليلات الثانية ويُلطّف تارة وأخرى بالرابعة والخامسة إلى الثامنة. وهو مسار ما إن يملّ منه، وتنتهي النشرة المسائية حتى يصير المشاهد غبيا من الدرجة العاشرة. هذا إن لم يكن قد نسِي القِبلة، وهو الذي كان يشاهد في الأولى والمغربية ابن الصهيونية يدس سمّه بغطاء الفن في وعي العائلة المغربية وعلى التلفزة العمومية.
هذا واقعنا، والجميع من دون استثناء يعلم، وإن تجاهل أو صمت جهلا أو خوفا أو استفادة من ريع أو مصلحة، ويعرف تمام المعرفة إلى أين وصلت الحالة وماذا وقع للحقيقة؟ لكن كيف يصل إلى معرفتها بالنظر إلى ما قيل أعلاه؟ حقا.. لا سبيل إلى ذلك.
إذا كان الحاضر لا يسمح بفهم الكثير من الأمور بسبب تقييدات وتعقيدات ودوائر ضيقة، فإن التاريخ والماضي يسمح بذلك وبشكل أجمل وأمتع. وأظن أن رواية "وزير غرناطة" لعبد الهادي بوطالب مفتاح من مفاتيح المتعة والكشف ومعرفة الخيوط؛ من أين تأتي وكيف تنسج وإلى ما تصير؟! نعم، الرواية تعيد تشكيل الماضي الأندلسي في علاقته بالماضي المغربي بالخيال والوصف والتذكر والاسترجاع وتعدد الأصوات. لكن هي أيضا أرضية صالحة وصورة واضحة ناصعة لتشكيل الحقيقة لا بالخيال كما في النص، وإنما بالملموس كما في الواقع اليوم. لا بالوصف كما في الرواية، وإنما بالبيان والمقارنة بين الحالة والصفات بالرغم من كون التجاهل والغموض والتكتم أسلوب المرحلة. لا بالاسترجاع والتذكر فقط، بل بهما معا والإحياء والبناء.
بهذا يمكن أن يَجد المواطن في التاريخ والماضي (رواية وزير غرناطة نموذجا) ما يُتستر ويُخفى عنه، ويَفهم ويَستوعب ما يخرج ويفلت من القيد والحصانة بين الفينة والأخرى بلا موافقتهم ورغما عنهم.
ختاما، إليك بعض المقاطع من الرواية، لعلها تكون حافزا للرجوع إليها إذا كنت طبعا مهتما بكل ما قيل أعلاه.
«عجبا لهؤلاء البشر، جُبلوا على الخضوع للسلطان والخنوع لذوي العظمة والجاه، فهم لا يفتأون يترضّون كل من سمت رتبته وعظمت مكانته!!» (ص:٦٩ من الرواية)
«ولكن ماذا يفيدنا اليوم أن نثير ذكرى الماضي، ونحن ما نزال نشاهد في كل مطلع شمس أحداثًا تقوم شاهدة على أننا لم نستفد من عبر الحوادث ولم نأخذ منها درسًا.» (ص: ١٦ من الرواية)
«وتحلبت أَشداق العدوّ لهذه المنازعات، وغدا يستغل ما بينهن من أحقاد وخصومات، فكانوا جميعا أمراء ذوي تيجان وعروش، ولكنهم كانوا له عبيدا خاضعين، يتقونه بالجزية، ويتملقونه بالهدايا، ويستنصره بعضهم على بعض.
ألقاب مملكة في غير موضعها *** كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد.» (ص: ١٩ من الرواية)





