مجلة الجماعة.. "أول منبر" قابل به الإمام محاربة الدعوة بابتكار طرق جديدة للتواصل

محتويات المقال
- 01الإمام عبد السلام ياسين ابن زمانه لذلك فكر في وسائل التبليغ المناسبة
- 02مجلة الجماعة.. أول منبر إعلامي دعوي خاطب الإمام من خلاله عموم الناس
- 03مجلة إسلامية "تقترح الحل الإسلامي لمشاكل الأمة" واجهتها عراقل الطبع والتوزيع
- 04رغم مصادرة أعداد منها وتوقيفها فقد جسدت اجتهاد الإمام في تجديد وسائل للدعوة
- 05لم تكن وسيلة تواصل فحسب، وإنما وسيلة لإشراك الإخوة وإدماجهم
- 06كنا نوزعها في المناسبات ونشد بها الرحال إلى مدن عدة لتوزيعها هناك
- 07المجلة جسدت فكرة الإمام عن "الجهر" بالدعوة وحاربت "السرية" التي التصقت بالحركات الإسلامية
كانت رسالة "الإسلام أو الطوفان" التي أرسلها الأستاذ عبد السلام ياسين إلى الملك قد ميزته تمييزا كبيرا، وبينت خطه ومشروعه، وصنفته ضمن قائمة المعادين للنظام الحاكم. ولهذا السبب لم يعد أصدقاؤه القدامى يجرؤون حتى على زيارته، وقد عبر عن ذلك رحمه الله، حين قال: "لم يزرني بعد خروجي من المعتقل إلا قليل جدا من أصدقائي القدامى من المعارف"1، لكن صاحبيه العلوي والملاخ وصديق طفولته علي سقراط رحمهم الله جميعا، بقوا على العهد مؤنسين داعمين. وليس ذلك غريبا عنهم بعدما تعاقدوا على المضي في مشروعهم مهما كلفهم ذلك من ثمن.
الإمام عبد السلام ياسين ابن زمانه لذلك فكر في وسائل التبليغ المناسبة
فبعد خروج الإمام من السجن -المستشفى- نتيجة تلك الرسالة، لم يستسلم ويضع سلاحه جانبا، ولم يتراجع عن أفكاره التي سعى إلى تنزيلها في الواقع، فخرج إلى المسجد وجلس إليه الناس يستمعون إليه، لكن الأمر لم يتعد ثلاثة أيام حتى بلّغته السلطات منعها من قبل الوالي، فلم يجد إلا بيته ففتحه.
لكنه لم يكتف ببيته، فقد بحث في وسائل التأثير التي يتيحها زمانه، وبعد مضي شهور من التفكير مع زميليه، خلص بهم الأمر إلى تقرير إصدار مجلة لتكون حاملة لرسالتهم ومبلغة لكلمتهم. وذلك لكونهم قد استوعبوا أثر الإعلام، وأهميته في تزويد الأفراد بشتى المعلومات والمعارف، وقوّته في التأثير والتوجيه والتواصل، فقرروا دخول غمار تجربة جديدة بإمكانات قليلة جدا، لكنها بصمت مسار مشروعهم، فأسسوا "مجلة الجماعة".
فمتى ما كان التصميم على بلوغ هدف ما، لا يبطئ به عوز الوسائل، وإذا عَظُمَت الهمة تعبت في مجاراتها الأجساد، كما يقول الشاعر المتنبي:
وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِباراً .. تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ
وهكذا عكست المجلة - باعتبارها وسيلة جديدة التجأ إليها الإمام - إصراره على مواصلة العمل من أجل مشروعه الذي سلكه وعبر عنه في "الإسلام أو الطوفان"، وقبل ذلك في كتابيه "الإسلام غدا" و"الإسلام بين الدعوة والدولة". والهدف من هذه المجلة كما يقول الإمام: "أن أقول كلمة الحق وأن أسعى في أن يَعْقُب هذه الكلمة عملٌ جاد لإيقاظ النائمين ولتعبئة المتخاذلين"2.
مجلة الجماعة.. أول منبر إعلامي دعوي خاطب الإمام من خلاله عموم الناس
كانت "مجلة الجماعة" أول منبر صحافي بلغة الإعلام، خاطب من خلاله الأستاذ عبد السلام ياسين أفواجا ممن توسم فيهم خيرا في خدمة الأمة، والنهوض بها من سباتها وما تعانيه من ويلات. وقد ظهر من كونها "مجلة" أن الإمام رحمه الله تعالى، يعي جيدا أهمية وسائل الإعلام وصنيعتها في المجتمعات، باعتبار أثرها التواصلي مع عموم الناس باختلاف اهتماماتهم، وخاصة منهم النخبة المثقفة، وباعتبار نيابتها -في زمن التضييق والحصار- عن الفعل المباشر في الساحات العامة وفي المساجد بعد المنع الرسمي من التواصل المباشر من قبل السلطات.
فالمجلة بهذا الاعتبار، كما اتخذها الإمام؛ هي وسيلة من وسائل نشر ما آمن به من أفكار. وهي بذلك ليست وسيلة تواصل فقط، أو مجلة لنشر الأخبار، وإنما هي آلية سعى من خلالها إلى تشكيل وعي جديد في المجتمع، واستنهاض همم العاملين من أجل خدمة الإسلام. وهي أول خروج إلى الساحة العامة بعد "الإسلام أو الطوفان" كما قال هو رحمه الله.
صدر العدد الأول رسميا من هذه المجلة سنة 1399 لهجرة، 1979 للميلاد، وبلغت أعدادها المُجملة ستة عشر إصدارا، وكان صدور العدد الأخير سنة 1406 هـجرية الموافق لسنة 1985 للميلاد. وهي مجلة دورية تصدر مؤقتا كل ثلاثة أشهر، كما هو مثبت على غلافها.
مجلة إسلامية "تقترح الحل الإسلامي لمشاكل الأمة" واجهتها عراقل الطبع والتوزيع
رسم الإمام رحمه الله لهذه المجلة خطا تحريريا واضحا، لا يكتنفه غموض ولا التواء، ووصْفُها الذي لا يفارقها في كل أعدادها الستة عشر "مجلة إسلامية"، فيه تعبيرٌ عن هذا الوضوح والطموح، وكشفٌ عن المقاصد والغايات، ويزداد ذلك مع الخطاب الذي تحمله بين أسطرها وصفحاتها.
يقول رحمه الله في العدد الأول: "هذه مجلتكم أيها المؤمنون المقبلون على الله الملتزمون بالإخاء والجهاد. والقضية قضيتكم. غير أننا لا نحب أن ننشر الكلمات الخجولة ولا التي تمت بصلة للذهنية المصطنعة. نحب الفكر الهادف الذي ينم عن إرادة ويخاطب الهمم لارتياد التجديد واقتراح الحل الإسلامي لمشاكل أمتنا الإسلامية الكئيبة بما يفرض عليها من استسلام في وجه الصهيونية وقوى الجاهلية، وانحدار في مهاوي التخلف الاقتصادي والنظام الاجتماعي والإلحاد"3.
هذه المجلة يقول المهندس أبو بكر بن الصديق، عضو مجلس الإرشاد في شهادته لنا، "أرادها الإمام أن تكون نقطة ارتكاز يجتمع عليها جميع المتهممين بالشأن الدعوي ببلادنا قبل تأسيس الجماعة"، ثم يتابع موضحا أنها وجدت مشاكل في الطبع وفي التوزيع، وسحبت منها أعداد كثيرة في الأسواق، كما أن شركات التوزيع كانت تتلقى تعليمات بعدم توزيعها وعدم تعميمها على سائر التراب الوطني.
وذكر الأستاذ فتح الله أرسلان عضو مجلس الإرشاد أن أصحاب المطابع جميعهم، عندما يسمعون أن اسم مدير الجريدة هو عبد السلام ياسين، وهو الذي كتب "الإسلام أو الطوفان"، "يرفضون طبعها ونشرها".
كتب الإمام العدد الأول كاملا. وأسهم فيه الأستاذ الملاخ ثم ذهب إلى مطابع الدار البيضاء، وبعد صعوبة استطاع أن يطبع العدد الأول، رغم ما شابه من غياب دقة الطبع، نتيجة غياب الخبرة في فن الطبع والنشر.
رغم مصادرة أعداد منها وتوقيفها فقد جسدت اجتهاد الإمام في تجديد وسائل للدعوة
غياب التجربة، إلى جانب غياب الإمكانات وغياب المعين؛ شكلت عوائق أمام هذا العمل، ولما زار الحاج إبراهيم الشرقاوي الإمام رحم الله الجميع، وعرض عليه المساعدة، فرح بها كثيرا "وهكذا بدأ تعاوننا مع هذا الرجل الذي أمضى معنا في الجماعة زمانا... وهكذا بدأ مشروع نشر المجلة تباعا"4
تعرضت للحصار والتضييق من أول عدد، وصودر منها العدد الخامس كاملا، والعدد العاشر، والعدد السادس عشر وهو الأخير، وجرى إيقافها نهائيا بعد مصادرة هذا العدد، قال رحمه الله في العدد الثاني من المجلة: "صدر العدد الأول من هذه المجلة بعد سنة من المحاولات عاقتنا فيها عن الظهور عراقيل إدارية مقصودة ثم إعراض المطابع عنا، وصدر العدد الأول وعلى وجهه ندب الأغلاط المطبعية كأنما يصرخ بيتم الكلمة الإسلامية في سوق الكلام وبقلة النصير"5.
وبالرغم من كل العراقيل التي انتصبت أمام هذه المجلة كما انتصبت أمام الإمام، فقد كان لها إسهام بليغ في مسيرته الدعوية، وكانت من أسباب التعريف بمشروعه وأفكاره، وكان دائما "يقابل محاربة الدعوة بالاجتهاد في ابتكار طرق جديدة للدعوة" ومنها هذه المجلة، كما ذكر الأستاذ إبراهيم أكورار من الرعيل الأول لهذه الجماعة في حديثه معنا.
لم تكن وسيلة تواصل فحسب، وإنما وسيلة لإشراك الإخوة وإدماجهم
الدكتور حسن إزرال من الرعيل الأول كذلك، ذكر في شهادته لنا على تلك المرحلة، أن هذه المجلة لم تكن وسيلة للتواصل مع الناس فحسب، بل كانت أيضا وسيلة لإدماج الملتحقين الجدد بمشروعه "كان رحمه الله تعالى يشرك الإخوة في مولوده الجديد، فكان يعطيهم بعض الأعداد لتوزيعها على الناس".
وتابع إزرال يقول: "كان من حظي أن أرسلني إلى رجل في أمزميز، وهو فقيه مسجد، فبلغته له، وأخذت درسا من ذلك الموقف كون المرشد كان يكلف أصحابه بالعمل منذ البداية"، وقد فرح الرجل بالهدية، كما فرح المتحدث بإنفاذ أول مهمة له مع الإمام.
إبراهيم أكورار، الذي التحق بالإمام ياسين في بواكير دعوته، ذكر أن الإمام تجاوز الإشراك في التوزيع باعتباره فعلا تواصليا مع الناس وفعلا جهاديا جراء الأذى الذي يلقونه في التوزيع، إلى الإشراك في الكتابة، بعدما تبين أن المجلة باتت "آلية مهمة للانتشار الدعوي"، وقد تعلموا مع الإمام "جهاد الكتابة"، حيث شكل لجينة من الشباب لتكتب المقالات، وأهدى مجلة الجماعة لهم بعد نشره للأعداد الأربعة التي كانت مخصصة للمنهاج، وكان من هؤلاء الشباب محمد العربي الطبلة رحمه الله، الذي تكلف بأعداد خاصة تكلمت عن القضية الأفغانية.
كنا نوزعها في المناسبات ونشد بها الرحال إلى مدن عدة لتوزيعها هناك
كانت وسيلة مهمة في إيقاظ الناس وتحفيزهم للالتحاق بركب العاملين من أجل خدمة الإسلام. فإذا كان الدعاة يُلقُون كلماتهم في المناسبات (عقيقة، زواج...) كما يقول أكورار، فنحن "كنا نصحب معنا نسخا من مجلة الجماعة ونوزعها على الحاضرين".
كان مجرد توزيع هذه المجلة على الناس يعد إنجازا مهما، وتواصلا غير سهل، فهو يدخل في إطار التبليغ، وكان عدد من الناس يطلعون على المجلات والكتب. ولا يقتصر الأمر على المناسبات، يضيف المتحدث، وإنما تشد بها الرحال إلى المدن لتوزيعها.
كان نقيب أسرة مدينة طنجة الأستاذ عبد العزيز أخناصر جلّد الأعداد الأربعة الأولى الخاصة بالمنهاج في مجلد، كما جاء في رواية أكورار لأنه كان يعمل في مطبعة، "وكنت أنا والأخ العربي نزور المدن، العرائش وأصيلة وتطوان والشاون ووزان وغيرها، نصلي في مسجد ثم نصلي صلاة الحاجة، ونحمل معنا هذا المجلد، فكنا نتصل بأي شاب اطمأن قلبنا له، من الناس من كان يستغرب ومنهم من كان يستجيب ويستضيفنا ويعطينا فرصة للتواصل والشرح، وكان الناس يقتنعون...".
ويحكي المتحدث عن اختلاف طبائع الناس من منطقة إلى أخرى، في منطقة الشمال مثلا "كان الاستعداد كبيرا للتضامن مع الإمام، فكانوا لا يخافون من الالتحاق بالجماعة".
المجلة جسدت فكرة الإمام عن "الجهر" بالدعوة وحاربت "السرية" التي التصقت بالحركات الإسلامية
بنشر العدد الأول أعلن عن خروج هذه المجلة إلى العلن، "وكان هذا العدد فريدا متميزا، يعرف بالفكر الجديد آنذاك، والذي أحدث انقلابا في فهم الحركة الإسلامية التي كان يغلب عليها العمل السري"، هكذا يقول إزرال الذي علقت بذهنه تلك الأفكار عن مرحلة صدور المجلة في عددها الأول.
وتابع فقال: "كان الإمام يرى أن أصل الدعوة الجهرية، فالأصل أن الدعوة جهر ونشر وانتشار وتعريف بمضمونها، فأخرجنا من قوقعة السرية والتنظيم التشجيري.. إلى تنظيم أفسح من ذلك وهو الدعوة الجهرية".
كان العدد الأول كلمة واحدة تقريبا بدون أبواب، لكن الأعداد الموالية تميزت بالإضافة إلى المقالة الافتتاحية للمدير المسؤول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، بمقالات أخرى تحليلية له ولنخبة من الأقلام الأولى، فكان من أبوابها "منبر وعظ"، و"منبر المؤمنات" و"نادي الطلبة" و"بريد القراء" و"لقاءات تاريخية" و"حوار".
يتبع





