البحث عن الحب

مبتدأ
عَلَيْكَ جُفُونِي قَطَّرَتْ مِنْ دُمُوعِهَا ** فَلاَ صَبْرَ لِي مَوْلاَيَ لاَ صَبْرَ لِي عَنْكَا
إِلَهِي يَضِيقُ الصَّدْرُ مِنْ خُلطَةِ الوَرَى ** إِذَا لَمْ تَلُحْ فِي أُفْقِنا نَظْرَةٌ مِنْكَا
أَنَخْنَا عَلَى الأَبْوَابِ وَالصَّبْرُ نَافِذٌ ** نُعَدُّ مِنَ البَأْسَاءِ فِي جُمْلَةِ الهَلكَى [1]
لم يكن أحمد سوى شاب أرداه هواه، فنكس على عقبيه، سَئما يبحث عن الأمان بعد ما صَدَّته حبيبته لأسباب كثيرة. لم يكن يعلم أنَّه إذا أحب، سيحب حتى الثمالة.. وإذا عشق سيعشق حتى النخاع.. ثم يرمى في ردهات الفشل، ويقذف في طي النسيان.
لم يكن يعلم أنه ليس جديرا بأن يحب، وأن ما أحس به سيخضع يوما للزوال.. ويرمى به كما يُرمى بالثياب الخَلقة.
حيران ولا من مطمئن.. ظمآن ولا من يسقيه..
هائم في البرية على وجهه، يبحث عمن يهدئ روعه.. ويمحو عن نفسه آثار هزيمة مرة.. ومعركة خاسرة. يردد ما قاله ابن الخطيب يوما ما.
بَنَفْسِي وَمَا نَفْسِي عَلَيَّ بِهَيْنَةٍ ** فَيُنْزِلُنِي عَنْهَا الْمِكَاسُ بِأَثْمَانِ
حَبِيبٌ نَأَى عَنِّي وَصَمَّ لأَنَّتِي ** وَرَاشَ سِهَامَ الْبَيْنِ عَمْداً فَأَصْمانِي [2]
قرر أحمد أن ينتصر لنفسه المهانة.. أن يعيش حبا آخر.. أن يبدأ حياة جديدة.. لن يعرف فيها هوانا ولا استبدادا، ولا هزيمة، وينتقم لقلبه الجريح.
جمع أغراضه ومضى.. يطوف الشوارع.. يجول المدن والقرى، يبحث عمن تملأ فراغ قلبه السقيم.. يدقق النظر في وجوه الجميلات، عمن تشبهها، بل من تفوقها حسنا وتضاهيها نضارة..
لكنه لم يجد بغيته.. وقلبه ما زال عليلا..
نأى عن المكان والخلان، وبحث في أقاصي الجبال عمن يشفيه ويذهب سقمه.. وجد فتى قررمساعدته، ومده بالعون، لم يتردد أحمد، بل وعده بالمال وحمر النعم.
عرضه الفتى على طبيب مجرب خبير..
رأى في قسماته علامات الذبول والانهيار، وبدت جلية عليه آثار الأسقام.
أخبره أحمد أنه فشل في حبه، وما كان يحسب في يوم من الأيام أن يكتب لحبه الفشل والإخفاق.
أجابه الطبيب: سأعطيك الدواء شرط أن...
صاح أحمد مقاطعا قبل أن يكمل الطبيب كلامه: كل شروطك مجابة، شرط أن تنتشلني مما أنا فيه.
قال الطبيب: أول الشروط ملازمة هذا الفتى، وطاعته فيما يأمرك به، وحسن صحبته، واقتناعك الكامل بأن هذا الدواء سيشفيك.
وافق أحمد على صحبة الفتى، وحسنت رفقته له.
قال الفتى لأحمد يوما: ماذا لو عرفت حبا لا يبلى ولا يفنى، ولا يُقضى، لو ذقته لسكرت وجداً ولَهِمتَ حبا..
أجاب أحمد: تلك منيتي.
قال الفتى: في محراب الحب، نقف يوميا نعانق المحبوب، تشرئِبّ أيدينا لتنسم إحسانه.. هل تعلم هذا الحب؟ إنه حبُّ خالقك يا أحمد، حين تقبل عليه يُقبل عليك برحمته، حين تذكر آلاءه يفيض عليك من نعمه، إن طرقت بابه يفتح لك أبواب مغفرته..
قلبك مكظوم.. مهموم إن لم تعرض عليه مسألتك، تقف بين يديه تستنشق نسمات فيضه.. ابدأ بخمس.. ستزيد وتزيد معها حبات الأنس به، سيفوح من جنباتك أريج التقوى، تأبى ألا تستشعر سواه.
حبه سيتمكن من قلبك، ويصبح قضيتك.. لا شيء سيَكْلَمُ فؤادك إن كان المالك قد ملكه.. في حبه لا يجتمع حبان.
هو الواحد.. ولا أحد سواه.
أحمد: كلنا نحب الله!
الفتى: نعم.. كلنا نحب الله طمعا، وليس حبا خالصا.. كلنا نريد الجنة، ونعرض عن خالقها.. نبتغي الحور ونتناسى مبدعهن.. نريد النّعم ولا نبحث عن خالق النعم..
يجب أن نحبه لأنه تعالى أهل لذلك الحب.
أحمد: كيف السبيل إلى ما تقول؟
الفتى: أول الخطى، البحث عمن يدلك على الله، ومن صحبته تنفعك عند الله، ومن حبه يقربك إلى الله!!
أحمد: بل أول الخطى صبر وملازمة، وانقطاع وعزلة..
الفتى: ليس ضروريا، ولا شرطا أن تلبس مسوحا من صوف لِتَصِل إلى حبه وتحظى بقربه، ولا أن تعتزل الخلق وتنأى عنهم، ألا تعلم أن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم..
الحب يا صاح، لفظ جميل، من قلب ذليل، لربّ جليل، وإيمان بيوم الوعيد.
أحمد: ومن أصحب يا فتى؟
الفتى: ابحث عمن تذكرك بالله رؤيته.. إذا استعسر عليك الأمر قف في جنبات، واعرض عليه أمرك "يا رب من أصحب"؟!
ستأتيك البشرى.. سيهيئ لك أصفياء قد تعرفهم بيسر وقد يكونوا أخفياء، وأول الصحب وأفضلهم، صحبة المصطفى خير الخلق وأزكاهم، محبته زاد وقربه وصل، والاقتداء به بر وتُقى، حبه ومحبة آله رجاء وسبيل لرفقتهم في الدار الأخرى.
صبرا قريبا ما أقرب الفرجا ** من راقب الله في الأمور نجا
من صدق الله لم ينله أذى ** ومن رجاه يكون حيث رجا [3]
عاد أحمد إلى حياته من جديد.. ولكنها عودة مختلفة وميلاد قريب العهد بربه، ما أهنأ القلب بمحبوبه.. وما أرضى النفس براضيها.. ما أفسح الدنيا، وما أجملها الآن..
لعل قصة أحمد هي قصتي.. قصتك.. قصتكم جميعا.. أو لعلها صور من الخيال.. ضرب من الأساطير.. قد يكون نسجها أوهن من نسج العنكبوت.. وقد يكون أمتن وأبقى من صروح بابل.
ملحوظة: قلب أحمد ازداد اتساعا.. امتلأ محبة لأقربائه، ولجيرانه، وأحبائه، كما أنه اتسع لرفيقة درب تعينه على أمر دنياه وآخرته، وتنسيه ما مضى.
منتهى
أحباؤنا أنتم على البعد والقرب ** بعدتم قربتم ما للدنيا سوى الحب
أحبكمو حبا كأني نهلته ** من الحب في قلب المحبين للرب
فإن قلتمو صفه لقلت بأنه ** سلام وتسليم من القلب للقلب
على أي درب في الحياة سلكتمو ** سأسلكه حتى وإن لم يكن دربي [4]
[1] عبد السلام ياسين.
[2] لسان الدين بن الخطيب.
[3] الإمام محمد بن إدريس الشافعيّ.
[4] محمود أبو الوفا.







