الفجر بشرى النصر

Cover Image for الفجر بشرى النصر
نشر بتاريخ

بقلم: ذة. فاطمة الزهراء عمر

يشعر كل مسلم منا بل وكل من في قلبه بعضا من الإنسانية، في هذه الأيام بكمية ضعف ووهن وألم اتجاه ما يشاهده من مجازر وتجويع ممنهج وإبادة لشعب مظلوم، لا ذنب له إلا أنه يحب الله ورسوله…

نعيش وسط عالم موار، تحكمه قوى ظالمة تتحكم في موارده وشعوبه، تزرع الفتن والصراعات في بلدان آمنة… وتستعمر أخرى، تستعلي على الخلائق بقوتها الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية والأهم قوتها العسكرية.

ما نعيشه اليوم شبيه بالبارحة، ففي القرن السادس الميلادي سيطرت إمبراطوريتان عظيمتان، الروم والفرس على معظم بلدان العالم، إذ مارستا فيه كل أنواع الاستبداد والظلم على العباد، عنصرية اتجاه شعوب ضعيفة احتلت بلدانها، واضطهاد عرقي وديني لتلك الشعوب وطبقية بغيضة، وغنى فاحش مقابل قهر وتجويع للمستضعفين…

وفي مكان آخر من ذلك العالم، وأتحدث هنا عن الجزيرة العربية، تلك الصحراء القاحلة والتي كانت عبارة عن قبائل متناحرة ومتناثرة، تنتشر فيها الرذيلة والفسق بشتى أنواعه، كان أكثر أهلها من قطاع الطرق، حياتهم بئيسة، عُرفوا بوأد البنات واستعباد العباد وعبادة الأوثان، غاب الأمن فيهم حتى إن شاعرهم كان يقول:

وأحيانا على بكر أخينا … إذا ما لم نجد إلا أخانا

وسط هذا المشهد المظلم للعالم، يُبعث سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم، النور المصطفى، خاتم النبيين والمرسلين في مكة قلب الشرك والوثنية، يُبعث من بين ظهراني أولئك القوم، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، أخرجهم من حياة هي أشبه بالبهيمية، ليجعل منهم أئمة يدعون بأمر الله تعالى، رباهم، هذب سلوكهم، وقوّى عقيدتهم حتى غدا الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما، ثم ربط هذا الحب بحب بيوت الله تعالى وإقامة الصلاة فيها، فلا تبرح تجد أحدا غائبا عن صلاة الفجر في المساجد، وكان هذا علامة فارقة على سلامة قلوبهم، ومخالفتهم أهل النفاق، جاهدوا أنفسهم قبل أن يجاهدوا عدوهم، إذ اصطفّ الصحابة رضوان الله عليهم في صفوف الجهاد طواعية مقبلين غير مدبرين فاتحين بلاد الفرس والروم، بعد أن اصطفٌوا وراء سيدنا رسول الله في صلاة الفجر وأخذوا من معينها، فكانت بداية لفجر هذه الأمة وبداية لنهضتها.

فالفجر كان ولا يزال بشرى دائمة للمؤمنين يدخلهم في ذمة الله، ومن كان في ذمة الله فهو حسبه كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم “من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فيدركه فيكبه في نار جهنم.” رواه مسلم.

والفجر بشرى للمؤمنين يوم القيامة، كما شهد بذلك حبيبنا المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، إذ قال: “بشر المشائين في الظٰلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة” رواه أبو داود، نورهم يسعى بين أيديهم , ينير لهم الصٍراط إلى جنات ربهم…

والفجر بشرى لمن سبق إلى الجنة بأن وعدهم ربهم بالنظر لوجه الكريم كما جاء في الحديث المتفق عليه “إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا”.

والفجر بشرى لنصر قريب بإذن الله تعالى، ولن يصلح واقعنا وآخرنا إلا بما صلح به ماضينا وأولنا، صلحت أمتنا وارتقى شأنها حين كانت مساجدنا مملوءة في صلاة الفجر، وفٰتحت بلاد الأندلس برجال صالحين لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وعن الصلاة، وأخص بالذكر هنا صلاة الفجر، وضاعت أندلسنا حين مُلئت قلوب المسلمين بدنيا فانية، وأصبحت مساجدهم في صلاة الفجر فارغة، وفتح بيت المقدس على يد صلاح الدين، ذلك المؤمن ذو العقيدة القوية الراسخة، والذي كان يمر على خيام المجاهدين في صلاة الفجر فإن وجدهم نائمين قال: “من هنا تأتي الهزيمة”، وإن وجدهم يصلون قال: “من هنا ياتي النصر”.

علم أعداء الإسلام سر صلاة الفجر فلم يخجل قادة الكيان الغاصب من قول: لن ينتصر علينا المسلمون إلا إذا كان عددهم في صلاة الفجر كعددهم في صلاة الجمعة، فحاولوا وما زالوا جاهدين تخديرنا بالتفاهات كي نظل نياما في ليالينا مفتونين في نهارنا، وسخّروا من أجل ذلك شياطينهم من الإنس والجن، يسعون لإطفاء نور الله في قلوب المؤمنين، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولينصرن الله إخواننا في غزة العزة أصحاب الألف والمئتي مسجد والذين كانوا ممتلئين دائما في صلاة الفجر، لذا بدأ أعداؤهم مغتصبي الأراضي أول ما بدأوا به، هدم تلك المساجد لرمزيتها عند طائفة المومنين أولئك، ولينصرنهم الله ولو بعد حين، وإن الله على نصرهم لقدير، رغم كل الهوان والخذلان.

فلنعد إحياء تلك الشعيرة، ولنعد للمساجد بهاءها، ولتمتلئ شوارعنا صخبا وحركة إلى بيوت الله حين سماعنا أذان الفجر، إذ ذاك يكون نصر الأمة قد اقترب، ولنجعلها قومة لله ورسوله علها تكون بداية فتح ونصر قريب، ولينصرن الله من ينصره.