جلسة "سؤال الدولة والحكم" تضع يدها على أعطاب الواقع وتقترح مداخل البديل المشترك

في الجلسة الأولى ضمن فعاليات الندوة الفكرية الحوارية التي تنظمها جماعة العدل والإحسان يومي السبت والأحد 6 - 7 جمادى الأولى 1443 / 11 - 12 دجنبر 2021، حول موضوع "المغرب وسؤال المشروع المجتمعي"، رصد المتدخلون الأعطاب الرئيسة التي تخترق المشهد السياسي المغربي الرسمي، واقترحوا مداخل ممكنة لإنشاء بديل سياسي عن الواقع القائم.
الندوة، التي شارك فيها كل من الأستاذ عبد الله الحريف الكاتب الوطني لحزب النهج الديمقراطي، والأستاذة أمان جرعود عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، والأستاذ بو بكر الجامعي الإعلامي والحقوقي البارز، وأدار أشغالها الأستاذ عبد الرحمن خيزران، تميزت بالنقاش المستفيض في قضايا سياسية وتصورية هامة، وعرفت تأكيدا ملحوظا على أهمية الحوار بين الفرقاء، انتهت باقتراح خطوات عملية من أجل تأسيس جبهة التغيير في المغرب.
انطلقت الجلسة بسؤال عام توجه به المسير إلى المشاركين، جمع بين رصد الواقع واقتراح البديل، فتولى الجواب بداية الحريف؛ حيث ركز في مداخلته على واقع الحكم في المغرب، معتبرا أنه يعكس إرادة الكتلة الطبقية السائدة، المشكّلة من البرجوازية التابعة للإمبريالية؛ وهي برجوازية احتكارية مرتبطة بالشركات متعددة الاستيطان وملاكي الأراضي الكبار. ونبه إلى أن هذه “الديمقراطية” التي تعتمدها الطبقة السائدة حاليا إنما هي في حقيقة الحال “ديكتاتورية ناعمة، تتحول بسرعة إلى تغول بوليسي".
وبخصوص البديل المقترح، شدد القيادي في حزب النهج الديمقراطي أن الدولة التي ينشدونها هي "دولة ديمقراطية أرقى بكثير من الدولة المخزنية، بل حتى من الديموقراطية البرجوازية"، دولة متحررة من "الهيمنة الامبريالية”، يضيف، وبالتالي فالحل في رأيه هو “دولة فيدرالية، ودولة علمانية، ولكن ليست علمانية برجوازية، بل علمانية تؤمن بحق التدين وتضمن حق التدين وحرية العقيدة، وليس العلمانية الفرنسية أو غيرها”.
بعد ذلك أخذت الكلمة الأستاذة جرعود مستدعية ما حصل سنة 2011 “باعتبارها لحظة مفصلية تمخضت منها أطروحتان”؛ الأولى ترى أن الملكية تفاعلت إيجابا مع مطالب الشارع، والثانية اعتبرت أن “الإصلاحات” التي قدمت لم تكن حقيقية لأننا “ما زلنا نعيش في مسار استمرار السلطوية”.
واستدعت جرعود مجموعة من المؤشرات؛ أولاها سياسية، رأت من خلالها أن “العرض الذي قدم للمغاربة من 2011 إلى اليوم يثبت أننا أمام سلطوية يمكن لها أن تغير الواجهات والفاعلين والمؤسسات، لكنها غير مستعدة للتنازل عن جوهرها الاستبدادي. سلطوية لها واجهة ديموقراطية ودستور ممنوح ومؤسسات صورية، بانتخابات لا تفرز مؤسسات لها سلطة اتخاذ القرار، بل تفرز مؤسسات تنفيذية لقرارات تتخذ في دوائر أخرى مغلقة”.
المؤشر الثاني: المستوى الاقتصادي؛ قالت فيه إن العرض الاقتصاي عنوانه منذ فترة هو “الأزمة"، مستدعية عددا من المعطيات؛ كارتفاع مستوى المعيشة، وارتفاع معدل البطالة والفقر. فالاقتصاد المغربي يمكن أن ينتج 50 ألف منصب شغل يقابله الحاجة إلى 250 ألف، مما يعني المزيد من البطالة. وارتباطا به استدعت المؤشر الاجتماعي؛ إذ أكدت أن المغرب يعاني من وجود فوارق اجتماعية صارخة، مع الإجهاز على ممكنات الارتقاء الاجتماعي.
وعن المسار نحو البديل، راهنت جرعود على “قدرة كافة الأحرار على أن يتعالوا على كل الحسابات لكي يتحالفوا ويصوغوا استراتيجية واضحة للشعب، ويقودوا معركة التحرير وفق ثلاثة مسارات: تحرر السياسة من السلطوية، تحرر الاقتصاد من الاحتكار، والإنسان من الخوف، لتحقيق انتقال آني غير مرهق وغير مكلف”.
ومن جهته، الصحفي المغربي أبو بكر الجامعي، وفي تقييمه للوضع الراهن، أكد أن "النخب السلطوية استنفدت كل مواردها للاستدامة في الحكم”، معززا رأيه بمجموعة من الدوافع، ذلك أن حركة 20 فبراير كانت بمثابة "هزيمة للسلطوية، رغم أنها أخذت بزمام المبادرة فيما بعد إلا أن الهزيمة كانت واضحة في خطاب مارس 2011، الذي أقر لأول مرة على أن النموذج السياسي نموذج فاشل”. كما أن حراك الريف اعتبره منعطفا مهما جاء بعده "خطاب هزيمة آخر"، أقر أن "النموذج الاقتصادي نموذج فاشل. لتتزعزع صورة النظام الذي يتحكم والوحيد الكفيل بحل مشاكل الاقتصاد”.
ليؤكد أن “الدولة اليوم في مأزق، لأنها لا تقبل بالإصلاحات الجذرية للتقدم بالبلاد إلى الأمام، لأن ثمنها السياسي لا تقدر على تأديته، وهو الحد من السلطوية”.
وعرج الجامعي، وهو في سياق الرصد، على ما أسماه "الوهم الإصلاحي" الذي كان يستخدمه النظام منذ مدة، والقوى الإصلاحية التي كان يتغذى على مصداقيتها فيما مضى.
في مقابل ذلك، لاحظ الفاعل الحقوقي معطى جديدا مقارنة بالعقود الماضية؛ والمتمثل في فئة الشباب التي أصبح لها أدوات فكرية وذكاء لكي تعرف وتعي "مدى ظلم الدولة، وهذا يظهر جليا في الاحتجاجات الشبابية”. منوها إلى أن المغرب مقبل على موجة احتجاجية أكبر من سابقاتها في 20 فبراير وحراك الريف، وهذه هي "معظلة النظام حاليا” يؤكد.
وطرحا للمدخل الرئيس بغية الفكاك من هذا الواقع، شدد الجامعي على حتمية “العمل جماعة لكي نجد صيغة لعلاقة الدولة بالمجتمع"، بغية بناء تركيبة جديدة لإعادة توزيع الثروات.
بعد ذلك، انطلقت الجلسة في فترة ثانية تميزت بالتفاعل الحواري، يطرح المسير الأسئلة ويجيب عنها الضيوف، عبر ثلاثة محاور؛ الأول رصد الواقع، والثاني، وهو الذي استغرق وقتا أطول، نظر في المشاريع المجتمعية والسياسية البديلة، والثالث طرح خطوات عملية للانتقال من الكائن إلى الممكن.
وبقدر ما أجمع الحوار على اختلال وفساد الواقع، رغم وعود دستور 2011 ورغم كل الشعارات البراقة التي تصدرها السلطة إلى المجتمع، بقدر ما تم التأكيد على ضرورة التقاء القوى الحية التواقة للتغيير من أجل تطوير بدائلها، وتلاقح أفكارها ومشاريعها، وحث خطاها نحو أهدافها. كما تم طرح خطوات عملية تتأسس على الحوار بغية تفعيل تأسيس جبهة التغيير في المغرب.








