حكاية بيت مُشمّع.. ظلم وقهر يقابله صمود وصبر

"الوقت ليلا. تتعالى أصوات سيارات أمن كثيرة بحي القدس بمدينة العروي، فتعكر صفو الليل الهادئ، تنزل من السيارات أعداد هائلة من قوات أمن بمختلف التلاوين، تحيط بمنزل يسكنه رجل وزوجته الحامل في شهرها الخامس وأولادهما الأربعة، يستضيفون ثلة من الأصحاب، يخرج الجيران استقصاء لما يجري، يطرق رجل أمن ضخم باب المنزل بقوة، يفتح الباب فتقتحم القوات الدار بشكل همجي، يتعالى صراخ الأطفال، ويهجم "البوليس" على الغرف، يخرجون كل من يوجد في البيت، يضعونهم في سيارات ويقتادونهم نحو مخفر الشرطة، ترمى الزوجة وأبناؤها الصغار خارج البيت في ليل مدلهم بارد، يشمع البيت، وينفض الجمع".
مهلا مهلا.. لا يسرحنّ بك خيالك بعيدا، فهذا ليس مشهدا من فيلم حركة "Action film"، والمقبوض عليهم ليسوا أعضاء مافيا أو تجار أسلحة، بل هو مشهد واقعي، والمقبوض عليهم مواطنون كانوا يجتمعون على مائدة الرحمان في مجلس تربوي محض؛ يذكرون الله ويتلون كتابه ويصلون. ما أصل الحكاية؟ وما تفاصيلها؟ تعالوا معي نستوضح أصحاب البيت وبعض من كانوا حاضرين فيه.
يحكي السيد الحسين مرجاني، أحد أعضاء جماعة العدل والإحسان بمدينة العروي بإقليم الناظور، ما جرى يوم السبت 17 فبراير 2007، يقول: "كنا بصدد عقد مجلس للنصيحة، كان يؤطره فضيلة الأستاذ محمد عبادي، سمعنا طرقات قوية على باب البيت، نزلت إلى الطابق السفلي كي أنظر من الطارق، فإذا بجحافل من القوات المخزنية بتلاوين متعددة وسيارات مصطفة في الأزقة يفوق عددها 35 سيارة في منظر لم يسبق لي أن شاهدته، اقتحموا البيت ودخلوا بعنجهية وعنف، وبدؤوا يخرجون من كان حاضرا وينقلونهم في السيارات".
السيد عبد المولى إسماعيلي، أحد من شهدوا الحدث في تلك الليلة، يغوص في ذاكرته ليستحضر تفاصيل الواقعة: "في ذلك اليوم كنا في مجلس النصيحة في بيت الأخ الحسين مرجاني، زارنا فيه الأستاذ محمد عبادي، وكان آنذاك عضوا لمجلس إرشاد الجماعة.
ونحن في جو مفعم بالإيمان سمعنا أصواتا تتعالى وصراخ أطفال، ولم نكد نلتفت حتى كانت قوات الأمن قد اقتحمت البيت وتحولت الأجواء إلى رعب بامتياز؛ ترعيب الأطفال وساكنة الحي، أخرجونا من البيت واقتادونا إلى مخفر الدرك".
الأمر نفسه يؤكده شاهد آخر، السيد الحسن بنسارية، الذي جاء ليلتها بنية حضور مجلس رباني، يتزود فيه من دنياه لآخرته، يرتجي عطايا الله لعباده الواقفين على أعتابه، نورا يطرحه الله في قلبه، فيتجلى بأسراره على جوارحه، ثم يشع بالخير على أسرته ومجتمعه، ولم يخطر على باله أن الأمر سينتهي به في مخفر الدرك كأنه مجرم عات. يروي ما عاشه تلك الليلة: "افتتح الأستاذ عبادي كلمته، وأثناءها شعرنا بضجيج في البيت، فإذا بقوات مخزنية كثيرة على رأسها باشا المدينة والمسؤول الأمني الإقليمي وبعض من القوات المساعدة وقوات كثيرة تحاصر البيت وتقتحمه، وتقتاد جميع الحاضرين إلى مخفر الدرك بمدينة العروي".
كان ضيوف السيد مرجاني يجتمعون في غرفة في الطابق الأول من البيت، وفي الطابق السفلي كانت عائلته الصغيرة، المستبشرة بأصدقاء رب العائلة، تعيش تفاصيل حياتها كأي أسرة مغربية عادية، تنقل لنا السيدة فريدة بزطوط زوج السيد مرجاني ما جرى بكثير من الأسى، تقرأ في تقاسيم وجهها تعابير تترجم ما عانت هي وأطفالها من رعب، لم تستطع تجاوزه رغم مرور سنين ذوات العدد، "كنت ليلتها في المطبخ أعد وجبة العشاء لأولادي الأربعة، وكنت حاملا في شهري الخامس، فجأة سمعت طرقا على الباب بطريقة لم أسمعها من قبل، اتجهت صوب مدخل البيت، حيث كان زوجي قد فتح الباب، فإذا بي أرى قوات الأمن بأعداد هائلة، والسيارات، وتجمهر الناس حول البيت، انتابني الخوف، وتبعني أبنائي، وكان الصغيران نائمان فاستفاقا على وقع الضجيج الكثيف، ولما رأوا المنظر انتابتهم حالة من الهلع وبدؤوا يصرخون، هجم رجال أمن على البيت وصعدوا الطابق العلوي وبدؤوا بإخراج الحاضرين ووضعهم في السيارات والذهاب بهم إلى "الكوميسارية""..
يتحشرج صوتها كأنما يأبى الخروج، تستجمع قوتها، تغالبه وتكمل: "كانت ابنتي البكر تبكي بشدة، هي التي عاينت الواقعة منذ بدايتها، وكنت أحاول طمأنتها. بعد أن أخرجوا الحاضرين توجهوا صوبنا، أجلسوا زوجي على كرسي وأحاطوا به بوحشية أرعبت الأولاد، أخرجوه بعدها وطلبوا مني الخروج مع الأطفال، وكانت ليلة باردة جدا، أخرجونا بما علينا من لباس خفيف". لم تستطع الزوجة والأطفال بداية استيعاب ما جرى، "وبقيت تدور في ذهني العديد من الأسئلة، ماذا وقع؟ لماذا هذا التهجم؟" تضيف السيدة فريدة. ثم تنفرج أساريرها قليلا، كأنها عثرت في ذاكرتها على لحظة مضيئة بددت ظلام تلك الليلة الحالكة، وتستمر في حديثها: "آواني الجيران مع أبنائي، استنكروا هذا الفعل الشنيع، آزروني في محنتي، أطعمونا، ومدوا إلينا يد المساعدة". تصمت برهة ثم تهمهم كأنها تكلم نفسها: "كانت فعلا ليلة قاسية، "تكرفصنا بزاف""، قبل أن يعلو صوتها من جديد: "ما زلت إلى الآن أتذكر تلك الليلة وأتألم، وما يزال أطفالي أيضا يتذكرون بيتهم وما حدث ليلة طردهم منه، وكلما عاودنا الكلام في الموضوع نحس بغصة الظلم ثم ننهي الكلام فيه".
كانت لحظة الاعتداء تلك فاصلة بين زمنين بالنسبة للسيدة فريدة، فقد تكسر فيها شيء ما، أو لنقل فتح الحادث عينيها على حقيقة كانت تعي جزءا منها فقط وهي بعد شابة في مقتبل العمر، تعبر عن ذلك بقولها: "كنت أظن أنه في بلدنا المغرب لا يمكن أن تتعرض الأسر لمثل هذا الاعتداء الشنيع، لأنني كنت أسمع الأحاديث حول حقوق المرأة والطفل، فكنت أصدق ما أسمع، كنت أتوقع لما أعرف مسبقا عن مظاهر الفساد التي تغزو البلاد بعض الأشياء، لكن ما جرى فاق توقعاتي بكثير، هم يعرفون أن المنزل تسكنه أسرة، ولم يراعوا شعور امرأة بادية عليها أمارات الحمل ولديها أطفال صغار، أيقنت أن دركات الفساد غائرة".
السيد مرجاني بدوره كشف معاناة أسرته جراء الحادث قائلا: "الحدث أثر علي تأثيرا بالغا؛ صحيا ونفسيا، فهو عمل غير مقبول لا أخلاقيا ولا عرفيا. تفقدت الزوجة فوجدتها في حالة يرثى لها وقد كانت حاملا في شهرها الخامس، ارتفعت درجة حرارتها، ووجدت بعض نساء الجيران يرافقنها ويحاولن مواساتها، لكن الأثر كان بالغا عليها وعلى الأطفال". ومضى يجلي ما استقبلت الأسرة بعد مُصابها، فيقول: "أصبح الحسين مرجاني وأسرته مشردين بعدما كان يسكن منزلا يأوي أطفاله وأسرته الصغيرة، ويكدّ ويجتهد للبحث عن لقمة عيش ليسد جوعتهم"، ويتابع: "وبدأت أفكر من جديد في أمور السكن والأثاث ولباس الأبناء، وأدواتهم المدرسية، وأوراق الهوية والوثائق الإدارية.. كل التفاصيل التي شمعت مع البيت".
وفي طريفة عجيبة، ذكر الأستاذ عبد المولى إسماعيلي، أن رجل أمن أخذ ملعقة من المطبخ من أجل إذابة الشمع، وبعد الانتهاء من استعمالها وتشميع بيت المنزل، أعطاه إياها طالبا منه إرجاعها لأصحاب البيت، وعلق على الفعل بقوله: "سبحان الله، يشمعون البيت كاملا بما يحوي من أجهزة وأثاث ويرجعون ملعقة، هي الوحيدة التي استثنيت من التشميع!".
تستشعر وأنت تسمع وقائع قصة حبلت بكل معاني الظلم وانتهاك الحقوق في هذا البلد المغبون بألم يعتصرك، وأنت البعيد عن الحدث مكانا وزمانا، تتخيل ما وقع وتهيم بفكرك في ليل بهيم، ثم ما يلبث أن يملأ عليك كيانك إحساس بالإكبار لهؤلاء القامات الشامخة، نماذج عالية من الصبر والاحتساب والصمود، خصوصا عندما تطالع ما تبع تلك الليلة الحزينة من نضال مستميت لاسترجاع الحق المهدور، أظهرت خلاله السيدة فريدة عزيمة قوية في التصدي للظلم الذي طال زوجها منذ الوهلة الأولى، ففي الليلة ذاتها التحقت بالمخفر كي تعرف مصير رب الأسرة، وبقيت هناك ما شاء الله ثم عادت أدراجها مع بداية ظهور خطوط الصباح الأولى. أقامت الأسرة بعدها خيمة أمام البيت فأزالتها السلطات، ثم عاودوا ضربها، وفي هذه المرة نزعوها بقوة وأخذوها معهم.
بعدها بأيام، وبالضبط يوم الخميس 22 فبراير 2007، خرجت الأسرة (وكان سن الطفلة البكر هاجر 10 سنوات، والطفل عطاء الله 7 سنوات، والطفلة هبة 3 سنوات، والطفلة سارة سنتين فقط) لتجوب أهم شوارع المدينة في مسيرة احتجاجية مشهودة هزت الرأي العام بالمدينة وكل متتبعي القضية.
وبتاريخ 15 ماي من نفس السنة احتفلت الأسرة بعقيقة المولود الجديد "حمزة" خارج البيت في العراء وسط حشد من الأحباب والجيران والأصدقاء فاق 200 شخص، ثم بختانه يوم 11 ماي 2008 في نفس الظروف.
[caption id="attachment_223857" align="alignleft" width="400"]
فرح باسترجاع البيت بعد طول تشميع متعسف[/caption]
ومضت الأسرة على نهج المطالبة بحقها في بيتها، لم تكل ولم تمل، تزاوج بين النضال على الأرض بما أتيح لها من وسائل، وبين سلوك الإجراءات القانونية بمجموعة من المراسلات والتظلم أمام القضاء، إلى أن استرجعت البيت بعد ست سنوات من التشميع الظالم في شهر يونيو 2011.
تآزرت الأسرة الصابرة زوجا وزوجة، محتضنين أبناءهم مدافعين عن حقهم في بيتهم وفي استقبال من يرون ماداموا لا يخالفون قانونا، وتأكد مع الزمن أن ما عاشوه من ظروف قاسية لم يزدهم إلا ثباتا وقوة، وأن القنوط لم يعرف إلى قلبهم طريقا. فطوبى لهذه الأسرة اصطفاءها وصبرها ومصابرتها، حازت بيتها في الدنيا وعند الله المغنم الحقيقي، فسبحانه من مانع مُعطٍ.





