حين يحاكم البحر السياسة.. قراءة في بيان العدل والإحسان بعد فاجعة سبتة

Cover Image for حين يحاكم البحر السياسة.. قراءة في بيان العدل والإحسان بعد فاجعة سبتة
نشر بتاريخ

ليست كل البيانات السياسية سواء، فبعضها يمر مرور الخبر، وبعضها يثير جدلًا عابرًا، بينما يتحول بعضها الآخر إلى وثيقة سياسية تتجاوز الحدث لتضع واقعًا بأكمله في قفص المساءلة، ومن هذا الصنف يأتي بيان جماعة العدل والإحسان بشأن فاجعة النزوح الجماعي نحو سبتة المحتلة، إذ لم يكتف بتسجيل موقف إنساني من الضحايا، بل سعى إلى تحويل أمواج المتوسط إلى منصة لمحاكمة السياسات التي يرى أنها دفعت آلاف الشباب إلى الارتماء في أحضان المجهول.

فالبيان لا يبدأ من سؤال، كم غرق؟ بل من سؤال أكثر إيلامًا، لماذا وصل آلاف الشباب إلى مرحلة أصبح فيها البحر، بكل ما يحمله من موت محتمل، خيارا يبدو لبعضهم أقل قسوة من البقاء؟

1-   حين يتحول البحر إلى استفتاء على الوطن

منذ سطوره الأولى، يتعمد البيان كسر الرواية التي تختزل ما جرى في مجرد “هجرة غير نظامية”، فهو لا يتحدث عن مهاجرين، بل عن “نزوح جماعي”، وهو توصيف ليس لغويا فحسب، بل سياسي بامتياز، فالنزوح في الوعي الجمعي، لا يرتبط بالبحث عن فرصة أفضل، وإنما بالفرار من واقع أصبح عاجزًا عن احتضان أبنائه وصون كرامتهم، وبهذا الاختيار ينقل البيان القضية من ضيق المقاربة الأمنية إلى رحابة السؤال السياسي: ماذا يحدث حين يفقد آلاف الشباب ثقتهم في قدرتهم على بناء مستقبل داخل وطنهم؟

وتبلغ هذه المقاربة ذروتها حين يقيم البيان مواجهة حادة بين مشهدين متناقضين، فمن جهة خطاب رسمي يحتفي بالمؤشرات الإيجابية والإنجازات التنموية، ومن جهة أخرى بحر يعج بآلاف الشباب الذين يغامرون بحياتهم، وأسر تنتظر على الشاطئ خبر نجاة مفقود أو العثور على جثمان ابتلعته الأمواج، وكأن البيان يريد أن يقول إن بعض الحقائق لا تُقرأ في التقارير، بل تُقرأ على وجوه الأمهات، وفي زوارق الإنقاذ، وعلى سواحل المتوسط.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، لا يحصر البيان المسؤولية في حكومة أو وزير أو قطاع بعينه، بل يوجه سهام نقده إلى بنية الحكم نفسها، معتبرًا أن ما جرى ليس نتاج أزمة عابرة، بل حصيلة سنوات من الإقصاء الاجتماعي، واتساع الفوارق، واستفحال الفساد والريع، وضعف المحاسبة، وانسداد آفاق الترقي الاجتماعي.

ووفق هذا التصور، فإن البحر لم يكن هو الذي صنع المأساة، بل كان آخر محطة في رحلة طويلة من فقدان الثقة، حين يصبح الرحيل، بكل مخاطره، أكثر احتمالا من البقاء في واقع يراه كثير من الشباب بلا أفق.

2-   حين يصوّت الشباب بأجسادهم

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في البيان وصفه ما جرى بأنه “استفتاء ميداني صريح”، وهي عبارة تختزل الرؤية السياسية التي تتبناها الجماعة تجاه هذه المأساة، فالبيان لا ينظر إلى البحر بوصفه مجرد معبر للهجرة، بل يقدمه باعتباره صندوق اقتراع رمزي، صوّت فيه آلاف الشباب بأجسادهم لا بأصواتهم، وأعلنوا، من خلال مخاطرتهم بحياتهم، حجم القطيعة التي يشعرون بها مع واقع لم يعد، في نظر كثير منهم، قادرا على احتضان أحلامهم أو تأمين مستقبلهم.

إنها صورة بلاغية شديدة الكثافة، فحين تصير مؤسسات الوساطة والتمثيل لا تعبر عن أحلام وطموحات الشباب خاصة والشعب عامة، يصبح الرحيل نفسه رسالة، ويغدو البحر لغة احتجاج صامتة لا تحتاج إلى شعارات، وفي هذا المعنى، يقرأ البيان موجة النزوح باعتبارها تصويتا على السياسات العمومية أكثر منها مجرد محاولة لعبور الحدود.

وبذلك، ينجح البيان في نقل النقاش من سؤال كم عبروا؟ إلى سؤال أكثر عمقًا لماذا أصبح آلاف الشباب مستعدين للمخاطرة بحياتهم أصلًا؟

3-   الصمت الرسمي… حين تتكلم الإشاعة بدل الدولة

ولا يقف البيان عند تشخيص أسباب المأساة، بل يوجه نقدًا لاذعًا لما يصفه بـ “الصمت الرسمي” الذي رافق الساعات والأيام الأولى من الكارثة، ففي نظره لم تكن المشكلة في تأخر صدور الأرقام والمعطيات فحسب، بل في الغياب شبه الكامل لرواية مؤسساتية واضحة وقادرة على طمأنة الرأي العام، وهو ما ترك فراغًا سرعان ما ملأته الإشاعات، وتضاربت داخله الروايات، وتعددت التقديرات بشأن أعداد الضحايا والمفقودين والناجين.

ويقوم هذا الجزء من البيان على فكرة سياسية واضحة، حين تصمت الدولة تتكلم الشائعات، فالمعلومة ليست مجرد خبر، بل هي جزء من إدارة الأزمات، وعنصر أساسي في بناء الثقة بين المؤسسات والمجتمع، وكلما تأخر التواصل الرسمي اتسعت مساحة التأويل، وتراجع منسوب الثقة، وتحولت المنصات الرقمية إلى المصدر الأول للأخبار، بما تحمله من معلومات صحيحة وأخرى مضللة.

ومن هنا، يطالب البيان بكشف الحقيقة كاملة، بعيدًا عن منطق التعتيم في التدبير الإعلامي للأزمة، داعيًا إلى الإعلان عن الحصيلة الدقيقة للضحايا والمفقودين والمصابين، وفتح تحقيق شفاف يحدد المسؤوليات السياسية والإدارية، انطلاقًا من قناعة مفادها أن احترام الضحايا يبدأ باحترام حق المجتمع في المعرفة، وأن الثقة لا تُبنى بالصمت، بل بالمصارحة والمساءلة.

4-   حين تهاجر الأجساد… وتُدان المنظومة الدولية

ولا يحصر البيان المسؤولية في الداخل المغربي وحده، بل يوسع دائرة الاتهام لتشمل بنية النظام الدولي نفسه، معتبرا أن مآسي الهجرة ليست مجرد نتاج سياسات وطنية متعثرة، بل هي أيضا ثمرة نظام عالمي يعيد إنتاج الفوارق بين الشمال والجنوب، ويكرس علاقات اقتصادية غير متكافئة، تجعل الثروة تتدفق في اتجاه، بينما يتدفق البشر في اتجاه آخر.

وفي هذه القراءة، لا يصبح قارب الهجرة مجرد وسيلة لعبور البحر، بل شاهدًا على اختلال ميزان العالم، عالم تتراكم فيه الثروات والفرص في الضفة الشمالية، فيما تُترك مجتمعات الجنوب تواجه البطالة والهشاشة والتبعية واستنزاف الكفاءات، ومن ثم يرى البيان أن موجات الهجرة ليست أزمة حدود بقدر ما هي نتيجة مباشرة لمنظومة دولية تنتج اللامساواة كما تنتج الأزمات.

ومع ذلك، لا يجعل البيان هذا البعد الدولي ذريعة للتخفف من المسؤولية الوطنية، ولا يعلق الأزمة كلها على شماعة الخارج، بل يعيد بوصلة النقاش إلى الداخل، مؤكدًا أن إصلاح بنية الحكم، ومحاربة الفساد، وإقامة العدل، وتوسيع فضاءات الحرية والكرامة، تبقى المدخل الأول لاستعادة ثقة الشباب بوطنهم، قبل البحث عن أسباب المأساة في موازين القوى الدولية.

5-   التعاقد الوطني… بين تشخيص الأزمة ورهان الخروج منها

سياسيًا، لا يكتفي البيان بتشخيص المأساة، بل يعيد التأكيد على الفكرة التي شكّلت أحد الثوابت في أدبيات جماعة العدل والإحسان منذ عقود، وهي أن الأزمات الاجتماعية ليست معزولة عن طبيعة النظام السياسي، وأن الهجرة ليست مجرد ملف أمني يمكن احتواؤه بالمزيد من الدوريات والأسلاك والحواجز، بل هي في جوهرها، انعكاس لأزمة حكم، وأزمة عدالة، وأزمة ثقة.

ومن هذا المنطلق، يرى البيان أن المقاربات الأمنية، مهما بلغت من الصرامة والنجاعة، لن تفعل أكثر من تأجيل الانفجار أو نقله من شاطئ إلى آخر، ما دامت الأسباب التي تدفع الشباب إلى المجازفة بحياتهم لا تزال قائمة: انسداد الأفق، وتآكل الأمل، واتساع الفوارق، وضعف الإحساس بالكرامة والإنصاف، ولهذا لا يطرح البيان حلولًا تقنية أو إجراءات ظرفية، بل ينتهي إلى مطلب سياسي شامل، يتمثل في “تعاقد وطني جامع” يؤسس، بحسب رؤيته، لدولة تقوم على الحرية والعدل والكرامة، باعتبارها المدخل الحقيقي لاستعادة ثقة المواطن في وطنه.

وسواء اتفق القارئ مع هذا التشخيص أو خالفه، فإن البيان ينجح في فرض سؤال يصعب القفز فوقه: هل تستطيع المشاريع الكبرى، والمؤشرات الماكرو-اقتصادية، والخطابات الرسمية، مهما بدت إيجابية، أن تقنع شابًا قرر أن يراهن بحياته في أمواج المتوسط، لأنه لم يعد يرى مستقبله على اليابسة؟ ذلك هو السؤال الذي يجعل هذه الفاجعة تتجاوز حدود حادثة هجرة جماعية، لتتحول إلى لحظة مساءلة عميقة لعلاقة الدولة بمواطنيها، ولقدرتها على صناعة الأمل قبل إدارة الأزمات.

6-   أمواج المتوسط… مرآة الوطن

لقد اعتادت الدول أن تعرض إنجازاتها بالأرقام: كيلومترات من الطرق السيارة، وموانئ عملاقة، ومناطق صناعية، ونسب نمو، وتقارير دولية، غير أن هناك مؤشرا أكثر صدقًا من كل الإحصاءات، وأشد قدرة على قياس نجاح السياسات: كم شابًا ما يزال يؤمن بأن مستقبله يمكن أن يُصنع داخل وطنه؟

فحين يفقد الشباب هذا الإيمان، تفقد الأرقام بريقها، وتصبح المشاريع، مهما عظمت، عاجزة عن تبديد شعور عميق بانسداد الأفق، عندئذٍ لا يعود البحر مجرد حدٍّ يفصل بين دولتين، بل يتحول إلى مرآة تعكس مستوى الثقة بين الدولة ومواطنيها، وإلى استفتاء صامت على قدرة الوطن على احتضان أحلام أبنائه.

ولهذا، ستبقى صور مئات الشباب وهم يلقون بأنفسهم في أمواج المتوسط نحو سبتة المحتلة أكبر من أن تُختزل في خبر عابر أو حادثة موسمية، إنها، قبل كل شيء إنذار قاس بأن هناك خللًا أعمق من مجرد أزمة هجرة، خللًا يمس العدالة، وتكافؤ الفرص، وجودة الحكامة، ومعنى الكرامة، وإمكانية صناعة الأمل، فالأوطان لا تُقاس فقط بما تشيده من إسمنت وحديد، بل بما تغرسه في نفوس أبنائها من ثقة، وأقوى الدول ليست تلك التي تنجح في منع شبابها من المغادرة، بل تلك التي تجعلهم يختارون البقاء، لا لأنهم عاجزون عن الرحيل، بل لأنهم يرون في أوطانهم مستقبلًا يستحق أن يُعاش.