لماذا بدأ النبي ﷺ بالإمام العادل؟ رحلة في فلسفة العدل من “ظلِّ الرحمن” إلى “أمواج المتوسط”

Cover Image for لماذا بدأ النبي ﷺ بالإمام العادل؟ رحلة في فلسفة العدل من “ظلِّ الرحمن” إلى “أمواج المتوسط”
نشر بتاريخ

لم يكن الإسلام يومًا دينًا يبني الفرد ويغفل المجتمع، فقد جمع بين تزكية النفوس وإقامة العدل، وبين إصلاح القلوب وإصلاح العمران، ومن هنا فإن ما تتناوله خطب الجمعة من حديث عن الصلاة والذكر وبر الوالدين وسائر فضائل السلوك الفردي، يبقى ضرورة لا غنى عنها، غير أن اكتمال الرسالة يقتضي أن يحضر إلى جانبها الحديث عن القيم المؤسسة للحياة العامة، وفي مقدمتها العدل، حتى يلتقي صلاح الفرد بصلاح المجتمع في خطاب إسلامي متوازن.

ولسنوات طويلة، كان يمكن تفسير هذا الغياب بالخوف من التأويل السياسي، أو بالرغبة في الاحتماء بمنطقة “الأمان الفقهي”، أو بطبيعة التكوين التقليدي الذي انشغل بجزئيات الأحكام أكثر من انشغاله بالكليات والمقاصد، وفي مقدمتها إقامة العدل وصيانة الحقوق ودرء المفاسد.

ثم جاءت مرحلة أخرى أصبحت فيها المؤسسة الدينية أكثر مركزية في إدارة “الخطاب الديني”، فأصبح هامش الاجتهاد في تناول القضايا العامة أضيق من ذي قبل.

يقال إن المناسبة شرط، ولكل كتابة باعث، وما دفعني للبحث والكتابة في الموضوع لم يكن نزوة فكرية أو ترفا معرفيا، بل موقف عشته في صلاة الجمعة هذا اليوم 16 صفر الخير 1448 هـ / 31 يوليوز 2026 م.

فقد كان موضوع الخطبة، على غير المألوف، يدور حول قيمة العدل في الإسلام، وافتتح الخطيب كلامه بالحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، قال رسول الله ﷺ:

“إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا ولُوا”.

ثم انتقل إلى الحديث المتفق عليه في شأن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فاستوقفني أول أصنافهم: “إمام عادل”…

خرجت من المسجد وأنا أحمل سؤالًا ظل يلح عليّ أكثر مما بقي في ذهني من تفاصيل الخطبة نفسها: لماذا بدأ النبي ﷺ بالإمام العادل؟ ولماذا تقدّم صاحب الولاية العادلة على الشاب الناشئ في عبادة الله، وعلى الرجل الذي قلبه معلق بالمساجد، وعلى المتصدق سرًا، وعلى الذاكر لله حتى تفيض عيناه؟

لم يكن السؤال اعتراضًا على ترتيب النبوة، وإنما بحثًا عن حكمته، إذ إن السنة لا تُقدِّم لفظًا على آخر عبثًا، ولا تُصدِّر نموذجًا على غيره إلا لحكمة عميقة تستحق التأمل.

لم يكن هذا السؤال جديدًا، فقد شغل كبار شراح الحديث، ثم انتقل إلى كبار المفكرين المسلمين، حتى تكاد كلماتهم، رغم تباعد عصورهم، تلتقي عند حقيقة واحدة: أن العدل ليس فضيلة من فضائل الحكم، بل هو الشرط الذي تحفظ به الشريعة نفسها.

ومن هنا بدأت رحلة العودة إلى شروح الحديث، ثم إلى مراجع الفكر الإسلامي، عند الحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام المناوي، ثم في قراءات الشهيد سيد قطب والأستاذ عبد السلام ياسين، لأقف على السر الذي جعل العدل يتصدر هذا البناء النبوي البديع.

1-    حين يتقدم العدل على العبادة

كان الحافظ ابن حجر العسقلاني أول من لفت نظري إلى عمق هذا الترتيب النبوي، ففي فتح الباري يختصر الحكمة كلها في عبارة قصيرة، لكنها شديدة الكثافة، حين يقول إن الإمام العادل “بُدِئ به لعموم النفع. 1

هذه العبارة تفتح بابًا واسعًا لفهم فلسفة ترتيب الحديث.

فالعبادات التي جاءت بعد الإمام العادل عظيمة الشأن، لكنها، في أصلها، عبادات يعود أثرها إلى أصحابها، أما العدل فإن خيره لا يقف عند شخص الحاكم، بل يمتد إلى المجتمع كله فهو الذي يحفظ الدماء، ويصون الأموال، ويؤمن الطرق، ويطمئن الناس على حقوقهم، ويهيئ البيئة التي يستطيع فيها الشاب أن ينشأ في الطاعة، والمتصدق أن يتصدق، والمصلي أن يعبد ربه في أمن.

ولا يقف ابن حجر عند هذا الحد، بل يضيف معنى آخر لا يقل أهمية، وهو أن السلطة بطبيعتها موطن للهوى والفتنة، فمن قدر على الظلم ثم عدل، فقد جاهد نفسه في ميدان لا يدخله أكثر الناس، ولهذا كان عدله من أعظم صور العبادة.

2-    العدل… الوعاء الذي يحفظ الدين

ويأتي الإمام عبد الرؤوف المناوي ليعمق الفكرة نفسها من زاوية أخرى، فالعدل عنده ليس مجرد فضيلة شخصية، بل هو الهيكل الذي يقوم عليه المجتمع كله، وبه تُقام السنن، وتأمن السبل، وتستقيم الممالك.

إنه يلفت الانتباه إلى حقيقة يغفل عنها كثيرون؛ وهي أن العابد لا يستطيع أن يعبد ربه في بيئة ينهشها الظلم والخوف والفوضى، فالعدل ليس عبادة إلى جانب العبادات، بل هو الوعاء الذي يحفظها جميعًا.

ومن هنا كان تقديم الإمام العادل إعلانًا عن قيمة العمل الذي يتعدى خيره إلى الناس كافة، لا العمل الذي يقتصر أثره على صاحبه.

3-    من فضيلة أخلاقية إلى شرط للمشروعية

وفي العصر الحديث، انتقلت القضية من دائرة شرح الحديث إلى دائرة فلسفة الحكم.

ففي “العدالة الاجتماعية في الإسلام” و”في ظلال القرآن”، لم يتعامل سيد قطب مع العدل باعتباره خُلُقًا يُستحب للحاكم التحلي به، وإنما بوصفه الأساس الذي تستمد منه السلطة مشروعيتها.

فالسلطة، في نظره، لا تكتسب شرعيتها بالقوة، ولا بالوراثة، ولا بمجرد البيعة، وإنما بقدرتها على إقامة القسط بين الناس.

ولهذا أقام فلسفته السياسية على ركيزتين لا تنفصلان: “الحاكمية لله باعتبارها المرجعية، والعدل باعتباره التطبيق العملي لهذه المرجعية”. 2

فإذا غاب العدل، تحولت الحاكمية إلى شعار، وتحولت السلطة إلى أداة للهيمنة، وفقدت مشروعيتها الأخلاقية، لأن الطاعة في الإسلام ليست تفويضًا مطلقًا، وإنما عقد يقوم على إقامة الحق وصيانة كرامة الإنسان.

كما وسع سيد قطب مفهوم العدل ليشمل العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، ومنع احتكار الثروة، وضمان الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، معتبرًا أن الدولة التي تعجز عن تحقيق هذه المقاصد تفقد روحها، مهما امتلكت من القوة.

4-    العدل… بداية النهضة

أما الأستاذ عبد السلام ياسين، فقد جعل العدل محور مشروعه الفكري كله.

ففي كتابيه “العدل… الإسلاميون والحكم” و”الخلافة والملك”، لا يظهر العدل باعتباره خلقًا سياسيًا، بل باعتباره شرطًا لنهضة الأمة.

ومن هنا جاءت الثنائية التي ميزت مشروعه وشعاره: “العدل والإحسان”.

فالإحسان يبني الإنسان من الداخل، ويزكي قلبه وسلوكه، أما العدل فيبني المجتمع، ويحفظ الحقوق، ويقيم الشورى، ويصون الكرامة.

ولهذا قرأ الأستاذ عبد السلام ياسين تقديم الإمام العادل في الحديث على أنه إعلان عن أن صلاح الأمة يبدأ من عدل الحكم، لا من قوة الدولة.

وفي قراءته لمسار التاريخ الإسلامي، ربط بداية الانكسار الحضاري بذهاب الشورى، فقال: “ذهبت الشورى مع ذهاب الخلافة الراشدة، ذهب العدل، ذهب الإحسان، وجاء الاستبداد”.. 3

فالمشكلة، في نظره، لم تكن مجرد تغير نظام الحكم، وإنما ضياع المبدأ الذي كان يمنح الأمة توازنها.

ولهذا كان يميز دائمًا بين العبادة الفردية، التي تزكي صاحبها، وبين العدل المتعدي، الذي يرفع الظلم عن مجتمع كامل، ويجعل ملايين الناس قادرين على عبادة الله في أمن وكرامة.

5-    لماذا بدأ النبي ﷺ بالإمام العادل؟

قد يختلف هؤلاء الأربعة في مدارسهم الفكرية، وفي مناهجهم، وفي قراءتهم للتاريخ والسياسة، لكنهم التقوا جميعًا عند حقيقة واحدة: أن الإسلام لم يقدّم الإمام العادل لأنه صاحب سلطان، وإنما لأنه صاحب أعظم أثر.

فالعبادات الفردية تصنع الإنسان الصالح، أما العدل فيصنع البيئة التي تحمي صلاح الإنسان.

ولهذا لم يكن غريبًا أن يفتتح النبي ﷺ أهل الظل يوم القيامة بالإمام العادل، وأن يبشر المقسطين بأنهم على منابر من نور، لأن إقامة العدل ليست مجرد فضيلة من فضائل الحكم، بل هي أعظم صور العبادة المتعدية، التي يصل خيرها إلى الناس كافة.

ولعل هذا هو الدرس الذي نحتاج إلى استعادته اليوم، فالإسلام لا يكتفي بصناعة الفرد الصالح، بل يريد أن يقيم مجتمعًا صالحًا، ولا يقوم ذلك إلا إذا أصبح العدل أصلًا تُبنى عليه السياسة، والاقتصاد، والقضاء، والعلاقات الاجتماعية، لا مجرد شعار يُرفع عند الحاجة.

6-    من ظلِّ الرحمن إلى أمواج المتوسط… حين يغيب العدل يمتلئ البحر

لعل أعظم ما يكشف راهنية هذا الحديث النبوي أن أسئلته لم تبق حبيسة كتب الشروح، بل خرجت إلى واقعنا اليومي، ففي الأيام الأخيرة، شاهد المغاربة مئات الشباب، وبينهم قاصرون، يلقون بأنفسهم في عرض البحر نحو سبتة، وكأنهم يفرون من يأسٍ على اليابسة إلى مجهولٍ في الماء، لم يكن البحر بالنسبة إليهم وجهةً بقدر ما كان آخر الأبواب التي لم تُغلق بعد.

ذلك أن الإنسان لا يغادر وطنه بسهولة، ولا يغامر بحياته لمجرد نزوة عابرة، وإنما حين يشعر أن أبواب الكرامة، والعمل، والإنصاف، والأمل قد ضاقت أو أوصدت في وجهه، عندها يصبح البحر، على قسوته، أقل رهبة من واقعٍ فقد القدرة على احتضان أحلام أبنائه.

من هنا، يتجلى السر في تقديم النبي ﷺ الإمام العادل على سائر أهل الفضل في حديث أهل الظل، فالحديث ليس احتفاءً بالسلطة، وإنما احتفاءٌ بالعدل، لأنه الحصن الذي تُصان به الحقوق، وتُفتح به الآفاق، ويجد الشباب في أوطانهم ما يغنيهم عن البحث عن مستقبلهم في أمواج المتوسط.

ولعل هذا هو الدرس الذي التقت عليه كلمات ابن حجر، والمناوي، وسيد قطب، وعبد السلام ياسين، رغم اختلاف عصورهم ومدارسهم: أن العدل ليس فضيلةً تُزيّن الحكم، بل هو شرط العمران، وحارس الكرامة، وأول أبواب الأمل، فإذا غاب العدل، امتلأ البحر بقوارب الهاربين، وإذا حضر امتلأت الأوطان بأبنائها.


[1] “ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، دار المعرفة، بيروت، ج2، ص170، حيث قال: “وقدمه في الذكر لعموم النفع به.”
[2] سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، دار الشروق، القاهرة، فصل: أسس العدالة الاجتماعية في الإسلام.
[3] عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، مطبعة فضالة المحمدية، ط 1، 1989، ص 10.