اعتبر الدكتور محمد عزمي، الكاتب العام الجديد لشبيبة العدل والإحسان، أن تجديد هياكل مؤسسة الشبيبة يجسد حيوية المؤسسة واستمرار التداول على المسؤولية في إطار الشورى، لافتا إلى أن ذلك “يعكس حرص الشبيبة على تجديد أطرها، وضخ دماء جديدة في هياكلها، وضمان استمرارية رسالتها في خدمة الشباب والمجتمع”.
الدكتور عزمي في حوار أجريناه معه في بوابة العدل والإحسان، بعد إعلان انتخابه كاتبا عاما جديدا في آخر مجلس وطني، شدد على أن البعد التربوي والبعد السياسي “أو ما نصطلح عليه في أدبياتنا بالخلاص الفردي والخلاص الجماعي، هما بالنسبة لنا بعد واحد لا يتجزأ”، موضحا أن التربية وفق المنهاج النبوي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده “لم تكن في انعزال عن واقع الناس وقضاياهم، بل كانت في جلوة المعاملات والتدافع اليومي”.
ومن هذا المنطلق، يؤكد المتحدث “لا نريد شبابًا منغلقًا على ذاته، ولا شبابًا يندفع إلى الفعل العام دون رصيد قيمي وأخلاقي. بل نطمح إلى شباب يجمع بين سلامة القيم، وكفاءة الأداء، والوعي بقضايا وطنه وأمته”.
وأشار عزمي في هذا الحوار إلى أن الشبيبة وأعضاءها ممنوعون من الاستفادة من الفضاءات العمومية، على قلتها، مثل دور الشباب، والمركبات الثقافية، والفضاءات الرياضية والفنية، والمخيمات، والكشفيات، رغم أن هذه الفضاءات يفترض أن تكون مفتوحة أمام جميع الشباب، وأن تؤدي دورها في التأطير والتكوين والتنشيط، بعيدًا عن منطق الإقصاء والتمييز.
وبينما شدد على أن هذا التضييق، على قسوته “لن يمنعنا من مواصلة رسالتنا، ولن يدفعنا إلى الانكفاء أو الانسحاب”. شدد في المقابل على أنه “يزيدنا اقتناعًا بضرورة الإبداع في الوسائل، والبحث عن بدائل عملية، وتطوير أشكال جديدة للتواصل والتأطير، والانفتاح على المجتمع، وخدمة الشباب حيثما وُجدوا”.
وفيما يأتي نص الحوار كاملا:
1- بعد انتخابكم كاتبا عاما جديدا لشبيبة العدل والإحسان، ما الذي تمثله هذه اللحظة في مسارك الشخصي وفي مسار شبيبة العدل والإحسان؟
بسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين
بداية أتوجه إليكم في بوابة العدل والإحسان بالشكر الجزيل على هذه الاستضافة، كما أتوجه بالشكر لإخواني وأخواتي أعضاء المجلس الوطني على ما أولوني به من ثقة، أسأل الله العون على هذا التكليف وعلى هذه المسؤولية.
على المستوى الشخصي، تمثل هذه اللحظة محطة جديدة في مسار التربية والتعلم وتعميق الانتساب لمشروع العدل والإحسان، وهي كذلك فرصة للإسهام من موقع أكثر تأثيرا، إلى جانب باقي إخواني وأخواتي داخل مؤسسات الشبيبة، في خدمة قضايا الشباب والمشاركة الفعالة في تأهيل هذه الفئة الاستراتيجية في المجتمع والارتقاء بها إلى مستويات الفعل والمبادرة من أجل الإسهام في بناء مجتمع تسوده مبادئ الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
أما على مستوى شبيبة العدل والإحسان، فإن هذه المحطة تجسد حيوية المؤسسة، واستمرار التداول على المسؤولية في إطار الشورى، بما يعكس حرص الشبيبة على تجديد أطرها، وضخ دماء جديدة في هياكلها، وضمان استمرارية رسالتها في خدمة الشباب والمجتمع.
2- أنت كنت نائبا للكاتب العام للشبيبة في الولاية السابقة قبل انتخابكم كاتبا جديدا، ما هو تقييمك لعمل شبيبة العدل والإحسان وحجم حضورها في المجتمع؟
راكمت شبيبة العدل والإحسان، منذ تأسيسها سنة 1998، رصيدًا مهمًا على مستويات متعددة. فقد استطاعت، بفضل الله أن تستمر في أداء رسالتها في تأطير الشباب، وتكوينهم، وفتح فضاءات للتربية والتأهيل وتعبئة الشباب للانخراط في قضايا المجتمع، من خلال تعزيز حضورها في عدد من الواجهات المجتمعية والطلابية والإعلامية، وأسهمت في التفاعل مع العديد من القضايا الوطنية وقضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب انخراطها في عدد من المبادرات وأشكال العمل المشترك مع مختلف الفاعلين.
وفي المقابل، نحن واعون بأن حجم التحديات التي يعيشها الشباب المغربي اليوم يستلزم جهودا كبرى. فنحن أمام تحولات عالمية متسارعة نتيجة الثورة التكنولوجية المرتبطة بالتواصل الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وما ينتج عنها من تحولات ثقافية وقيمية واجتماعية. فضلًا عن الإكراهات المرتبطة بالبطالة، والتعليم، والهجرة، واتساع فئة الشباب خارج الدراسة أو التكوين أو الشغل، في مشهد سياسي ما زالت تغيب عنه الإرادة السياسية الحقيقية الكفيلة بإحداث إصلاحات عميقة تستجيب لتطلعات الشباب، وتنهض بالأوضاع الاجتماعية للمغاربة. وهذا يفرض على الجميع مضاعفة الجهود، وتطوير أدوات العمل، وتجديد أساليب التأطير، وابتكار مبادرات أكثر تأثيرًا للترافع السياسي والميداني عن قضايا الشباب.
3- ماهي أهم القضايا التي ترى أولويتها وملحاحيتها في المرحلة المقبلة للشبيبة بالنسبة لكم؟
يمكن إجمال الحديث عن الأولويات في عدد من المحاور الأساسية:
أولها مواصلة الاستثمار في بناء الإنسان، فالشباب يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى فضاءات آمنة للتربية والتأهيل، تساعده على تنمية شخصيته، والاعتزاز بهويته، واكتشاف مواهبه، والإسهام الإيجابي في قضايا مجتمعه وأمته.
كما نعتبر أن من أولويات المرحلة تطوير الخطاب والوسائل، خاصة في المجال الإعلامي والرقمي، لأن جزءًا كبيرًا من وعي الشباب وتفاعلاتهم أصبح يتشكل داخل الفضاء الرقمي. وهو ما يقتضي إنتاج محتوى هادف، ولغة تواصل قريبة من الشباب، والاستثمار الأمثل في الوسائط الحديثة لإبراز النماذج الإيجابية، وترسيخ قيم المسؤولية والأمل والمبادرة.
ولا يمكن الحديث عن أولويات الشباب دون استحضار واقعهم الاجتماعي. فارتفاع معدلات البطالة، وصعوبات الولوج إلى تعليم جيد، وتراجع فرص الإدماج، واتساع فئة الشباب خارج الدراسة أو التكوين أو الشغل، كلها قضايا تستوجب الترافع من أجل سياسات عمومية أكثر إنصافًا وفعالية، وتقتضي تضافر جهود مختلف الفاعلين السياسيين والمجتمعيين.
وأخيرًا، سنواصل الانفتاح على مختلف المبادرات الجادة، وتقوية العمل المشترك مع كل الشركاء اللذين يتقاسمون معنا أعباء خدمة الشباب والدفاع عن قضاياهم، لأننا نؤمن أن النهوض بأوضاع الشباب مسؤولية جماعية، وأن بناء المستقبل لا يمكن أن يكون إلا بالعمل المشترك وتضافر الجهود.
4- هل ترى أن الشبيبة قد تعوقها إكراهات ومعيقات لأداء رسالتها والقيام بأدوارها المنوطة بها؟ وما هي هذه المعيقات؟ وكيف يمكن تجاوزها؟
أهم العقبات والتحديات التي تعيشها الشبيبة هي الحصار والتضييق ومصادرة الحقوق، فهي جزء من الجماعة ويطالها ما يطال الجماعة.
فالشبيبة وأعضاؤها ممنوعون من الاستفادة من الفضاءات العمومية، على قلتها، كدور الشباب، والمركبات الثقافية، والفضاءات الرياضية والفنية، والمخيمات، والكشفيات، رغم أن هذه الفضاءات يفترض أن تكون مفتوحة أمام جميع الشباب، وأن تؤدي دورها في التأطير والتكوين والتنشيط، بعيدًا عن منطق الإقصاء والتمييز.
إضافة إلى هذا البعد من التضييق، الذي يشمل، بالمناسبة، مختلف الفاعلين السياسيين والحقوقيين والنقابيين الذين يتمسكون باستقلال قرارهم السياسي ومواقفهم، شهدت السنوات الأخيرة، بالتوازي مع تسارع وتيرة التطبيع مع الكيان الصهيوني، ولا سيما في المجالين التربوي والتعليمي، تصاعدًا في وتيرة المنع والتضييق على عدد كبير من الأنشطة والمبادرات الشبابية التي تعبر عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني، وترفض مسار التطبيع، لما له من مآلات خطيرة على استقرار وطننا الحبيب على مستوى التماسك المجتمعي والأمن الغذائي وباقي مناحي الحياة.
غير أن هذا التضييق، على قسوته، لن يمنعنا من مواصلة رسالتنا، ولن يدفعنا إلى الانكفاء أو الانسحاب. بل يزيدنا اقتناعًا بضرورة الإبداع في الوسائل، والبحث عن بدائل عملية، وتطوير أشكال جديدة للتواصل والتأطير، والانفتاح على المجتمع، وخدمة الشباب حيثما وُجدوا.
5- باعتبار أن الشبيبة تجمع في مرجعيتها بين ما هو تربوي دعوي وما هو سياسي، كيف توفقون بين البعد التربوي والانخراط في القضايا الوطنية والدفاع عن مطالب الشباب؟
البعد التربوي والبعد السياسي، أو ما نصطلح عليه في أدبياتنا بالخلاص الفردي والخلاص الجماعي، هما بالنسبة لنا بعد واحد لا يتجزأ. فالتربية وفق المنهاج النبوي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده لم تكن في انعزال عن واقع الناس وقضاياهم، بل كانت في جلوة المعاملات والتدافع اليومي. وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الاندماج في أحاديث عدة، نذكر منها حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه، يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم “المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناسِ ويَصبِرُ على أذاهُمْ، أفضلُ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ ولا يَصبرُ على أذاهُمْ” أخرجه الإمام ابن ماجة.
وقد استفرغ الإمام عبد السلام ياسين وسعه وأفنى عمره من أجل هذه القضية المصيرية، أن يجمع في الأذهان والقلوب ما تشتت جراء افتراق السلطان والقرآن، وأن يعيد وصل الإيمان بالعمران، والتربية بالتغيير، والدعوة بخدمة المجتمع، حتى يستعيد الإنسان توازنه، وتستعيد الأمة وحدتها وتقوم بمقتضى رسالتها كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ[آل عمران: 110]
ومن هذا المنطلق، فإننا نسعى إلى تحقيق التوازن بين بناء الإنسان وخدمة المجتمع؛ فلا نريد شبابًا منغلقًا على ذاته، ولا شبابًا يندفع إلى الفعل العام دون رصيد قيمي وأخلاقي. بل نطمح إلى شباب يجمع بين سلامة القيم، وكفاءة الأداء، والوعي بقضايا وطنه وأمته.