ذ. محمد بارشي | "العلاقة بين الزوجين.. أسس ومقومات” (3) | المقوم الإيماني

شرع الأستاذ محمد بارشي، المتخصص في الشؤون الأسرية، في هذه الحلقة في الكلام عن مقومات العلاقة بين الزوجين، وقسمها إلى أربعة أقسام: مقوم إيماني، ومقوم بنائي، ومقوم اقتصادي تدبيري، ومقوم صحي نفسي.
وقبل الشروع في الحديث عن المقوم الإيماني عرف معنى كلمة "المقومات"، فقال: "المقومات في اللغة جمع مقوِّم، والمقوم من يعطي قيمة لعمل أو شخص أو لمجموعة. وتعني أيضا جميع ما يتكون منه الجسم "القوام"، أو الجهاز أو المشروع. فمقومات الحياة إذن هي عناصرها وعواملها الأساسية التي بها تقوم، ومقومات العلاقة الزوجية هي كذلك عناصرها الأساسية التي تقوم بها، أو هي الأعمال المطلوبة لتتبوأ الأسرة مكانتها الحقيقية".
وأحال الأستاذ بارشي، وهو يتحدث عن المقوم الإيماني، إلى ما قاله في حلقة سابقة حول أساس البناء، وهو أن "المؤمن والمؤمنة ينبغي أن يكون زواجهما مستظلا بقوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، وألا يخرج زواجهما عن كونهما عبدا وأمة لله خلقهما ليكونا له؛ ليعبداه سبحانه، فأمر الزواج ينبغي أن يخدم هذه الغاية؛ غاية الخلق والاستخلاف في الأرض".
وذكر من عناصر هذا المقوم اثنين:
"1- تجديد النية؛ أن يجلس الزوجان بعد عمل صالح تقربا به إلى الله عز وجل، لتكون النفوس طاهرة مقبلة حاضرة خاشعة، ويسألا نفسيهما ماذا يريدان من زواجهما هذا؟ ماذا طلبا أو يطلبان به؟ أيطلبان الدار الآخرة أم يطلبان الدنيا؟".
ونوه إلى أن "طلاب الآخرة كل أعمالهم تصب في الآخرة، وطلاب الدنيا كل أعمالهم تصب في الدنيا". منبها إلى أن "السعادة شعور داخلي الله سبحانه وتعالى مانحها، فكيف تتحقق هذه السعادة إن حِدنا عن القصد الذي خلقنا الله من أجله؟".
وأوضح أن "تجديد النية لا يعني كلمة نرضي بها بعضنا بعضا، إنما هي اتفاق على تعاون، وإذا نسي أحدنا يذكره الآخر".
وساق حديثا يرويه سيدنا ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه: "لَمَّا نَزَلَ في الفِضَّةِ والذَّهبِ ما نَزَلَ، قالوا: فأيَّ المالِ نَتَّخِذُ؟ قال عُمَرُ: أنا أعلَمُ ذلك لكم، قال: فأَوضَعَ على بَعيرٍ فأدرَكَه، وأنا في أثَرِه، فقال: يا رسولَ اللهِ، أيَّ المالِ نَتَّخِذُ؟ قال: ليَتَّخِذْ أحدُكم قَلبًا شاكرًا، ولِسانًا ذاكرًا، وزَوجةً تُعينُه على أمْرِ الآخِرةِ" وفي رواية الترمذي "وتعينه على إيمانه".
ليعلق عليه بقوله: "لاحظوا كيف قرن الزوجة الصالحة بالقلب الشاكر واللسان الذاكر.. لننظر إلى التوجيه النبوي؛ تعينه، يعينها، على أمر الآخرة، على الإيمان. الأمر فيه تعاون، والزواج ينبغي أن يعقد على هذه النية: أن نتعاون على طاعة الله، أن نتعاون على ما أمرنا الله عز وجل به".
"2- الصلاة جامعة؛ جامعة للأشباح، إذ يقف شبح بجنب شبح، وهي أكثر من ذلك جامعة للأرواح"، وهو ما استشفه من حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فـ"ليس عبثا أن يحث رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا الزوجين، لا أحدهما، إذا استيقظ من الليل أن يوقظ الآخر، بأدب وملاطفة ليقفا بين يدي الله فيصليا ركعتين، وإذا صليا ركعتين كتبا عند الله من الذاكرين".
وفي دلالة ذلك؛ يضيف الأستاذ بارشي: "إذا وقف الرجل والمرأة بين يدي الله وقف قلباهما أمام الله عز وجل، والله تعالى هو مؤلف القلوب، هناك ملك من ملائكة الرحمان دعاؤه: "اللهم يا مؤلف القلوب ألف بين قلوب عبادك المؤمنين"، وقف القلبان يناجيان الله عز وجل يطلبانه يمدحانه يسجدان له، ألا يعطيهما سبحانه وتعالى؟ خاصة إذا كان الطلب والوقوف في وقت الاستجابة. جعلنا الله من الساجدين".
واستدعى عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: "ما اجتمعَ قومٌ في بيتِ من بيوتِ اللهِ يتلون كتابَ اللهِ ويتدارسونه بينهم إلا غشيتْهم الرحمةُ ونزلتْ عليهم السكينةُ وحفتْهم الملائكةُ وذكرَهم اللهُ فيمن عنده". ليتساءل: "إذا قعد أفراد الأسرة المباركة إن شاء الله يذكرون الله، ولو بالشيء القليل، ويتذاكرون فيه، ألا يشملهم هذا الحديث؟ بلى يشملهم".
وسلط الضوء على عطايا الله الكريم في هذا الحديث: "حفتهم الملائكة، غشيتهم الرحمة، نزلت عليهم السكينة، وأعظم من هذا كله ذكرهم الله؛ يذكرك الله وزوجك". ليتوجه إلى الأزواج مهنئا ومشجعا: "أعظم به من ذكر أن يذكركما الله عز وجل، هنيئا لكما أن يذكركما الله عز وجل".
وفي الآية من سورة الروم يقول الله عز وجل وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ، وفيها "ذكر لثلاث أمور: السكن والمودة والرحمة. وفي حديث الاجتماع على ذكر الله قال: تنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة، وهما مطلوبان في العلاقة، بل هما عطاءان من قبل الله عز وجل. نسأل الله تعالى أن نكون من أهل هذا العطاء" يضيف الأستاذ بارشي.
ويختم بوصية الزوجين قائلا: "تشغلنا الهموم.. ومع ذلك فهذا لا يمنع أن نقتطف من يومنا وليلتنا وقتا، إما نجتمع فيه على صلاة أو في ذكر أو في دعاء أو في مذاكرة في الله عز وجل.. كل ذلك يضفي الله به عز وجل نورا في القلوب. جعلنا الله من أهل النور".






