روح الصلاة إقبال العبد على الله تعالى

حين يقف العبد بين يدي الرحمان؛ منكسر الجناحين، دامع العينين، خاشع القلب، يسأل ربه الوهاب، طالبا رضاه وجنته، شاكرا لنعمه، ما القصد من كل هذا؟ ولأية غاية؟
جعل الله عز وجل للعبادات مقاصد وغايات، والصلاة هي عماد الدين وغرة العبادات ومن أحب الأعمال إلى الله تعالى، من حافظ عليها حفظه الله، وكانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة. ومن مقاصد الصلاة ما يأتي:
- ذكر الله عز وجل والتقرب إليه وتجديد العهد به:
المقصود الأعظم للصلاة هو ذكر الله تعالى والتقرب إليه وتجديد العهد به، لقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه: 14]، وقوله عز وجل: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: 45]. لذلك اشتملت الصلاة من أعمال القلوب والألسن والجوارح ما لم يشتمل عليه غيرها، كل ذلك ليتفرغ العبد للإقبال عليها، لأن مقصودها تجديد العهد بالله، ولذلك جعلت لها مواقيت متقاربة؛ لكي لا يبعد عهد العبد عن ذكر الله.
- تزكية النفس:
إن النفس تطهر وتنمو وتكبر بالطاعات وفعل الخيرات، وتدنس وتصغر وتحقر بالذنوب والمعاصي والتهالك على الشهوات والملذات، والدليل على ذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الجمعة: 2]، وقوله سبحانه: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103]. والصلاة من أعظم العبادات التي تطهر النفس وتزكيها، وتجعل للمسلم روحاً زكية ونفساً مطمئنة.
- النهي عن الفحشاء والمنكر وتهذيب الأخلاق:
وردت آيات قرآنية كثيرة تحث على الامتثال لأوامر الله واجتناب نواهيه. فالصلاح النفساني والنهي عن الفحشاء والمنكر مقصد من مقاصد الصلاة، لقوله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: 45]، والصلاة الحقيقية تترك أثرا في نفس صاحبها يجعله يتجنب الفحشاء والمنكر والأخلاق السيئة، ويتحلى بمكارم الأخلاق.
خلق الله الإنسان من جسد وروح وجعل لكل منهما غذاء، ولما كان الجسد أصله من الأرض جعل الله غذائه ما يخرج من الأرض، ولما كانت الروح من أمر الله، لقوله تعالى: ونفخ فيه من روحه [ السجدة: 9]، جعل غذاءها في ذكره سبحانه والاتصال به. وأعظم العبادات ذكرا لله تعالى الصلاة، فهي صلة بين العبد وربه، وقد قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [ طه: 14] وقال أيضا في سورة العلق الآية 19: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ.
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه أسرار الصلاة: "فاعلم أنه لا ريب أن الصلاة قرة عُيون المحبين، ولذة أرواح الموحدين، وبستان العابدين ولذة نفوس الخاشعين، ومحك أحوال الصادقين، وميزان أحوال السالكين، وهي رحمةُ الله المهداة إلى عباده المؤمنين.. ولما امتحن الله سبحانه عبده بالشهوة وأشباهها من داخل فيه وخارج عنه، اقتضت تمام رحمته به وإحسانه إليه أن هيأ له مأدبة قد جمعت من جميع الألوان والتحف والخلع والعطايا، ودعاه إليها كل يوم خمس مرَّات، وجعل في كل لون من ألوان تلك المأدبة، لذة ومنفعة ومصلحة ووقاراً لهذا العبد.. فيصدر المدعو من هذه المأدبة وقد أشبعه وأرواه، وخلع عليه بخلع القبول، وأغناه، و ذلك أن قلبه كان قبل أن يأتي هذه المأدبة، قد ناله من الجوع والقحط والجذب والظمأ والعري والسقم ما ناله، فصدر من عنده وقد أغناه وأعطاه من الطعام والشراب واللباس والتحف ما يغنيه".
والصلاة كما أشار إليها الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه "محنة العقل المسلم"؛ طاعة يطيعها الجسم والعقل. الصلاة وقفة العبد أمام ربه يناجيه ويدعوه ويتضرع إليه. نداء المؤذن إليها نفير إلى الفلاح. الصلاة فلاح. من أضاعها وأخل بشرط من شروط اعتدالها واطمئنانها وخشوعها نقص دينه، وسقط على أم رأسه ولو ناضل بكل ماله وقواه ليقيم في زعمه الخلافة الإسلامية.
لذلك على المسلم أن يستشعر هذه المعاني السامية والمقاصد النبيلة للصلاة حتى تؤتي ثمارها ونتائجها عليه كفرد ومع الناس كجماعة.






