شباب المغرب يبرزون "التكامل" بين قضايا الوطن وقضايا الأمة من المسيرة الشعبية الكبرى بالرباط

محتويات المقال
في مشهد مفعم بالحماس والوعي بأهمية اللحظة وتحدياتها، شارك آلاف الشباب المغاربة اليوم، الأحد 5 أكتوبر 2025 في المسيرة الوطنية التي نظمها الشعب المغربي بمناسبة الذكرى الثانية لانطلاق طوفان الأقصى، مؤكدين استمرار انخراطهم في الدفاع عن القضية الفلسطينية رغم السياقات المحلية التي تشهد موجات احتجاجية شبابية مطالبة بإصلاحات تهم الصحة والتعليم وباقي الخدمات الاجتماعية والاقتصادية.
المشاركة في المسيرة امتداد طبيعي لوعي يدمج بين قضايا الوطن والأمة
الحضور الشبابي الكثيف كما في كل مسيرة وطنية كبرى، جاء لافتا في مختلف مشاهد المسيرة وملامح المشاركين فيها، حيث عبروا عن انتماء أصيل لقضايا الأمة واستحضار واع لواجب النصرة والدعم، في الوقت الذي يعيش فيه المغرب حراكا اجتماعيا متصاعدا تقوده فئات شابة مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وتحسين أوضاع المعيشة.
وفي خضم هذا الحراك الشبابي، يبرز وعي جيلٍ يرى أن نصرة قضايا الأمة لا تنفصل عن الدفاع عن قضايا الوطن. من هؤلاء محمد نسيم من مدينة تطوان (مواليد 2004) الذي اعتبر أن المشاركة في هذه المسيرة الوطنية الشعبية هو امتداد طبيعي لهذا الوعي. مؤكدا أن "الحراك المحلي لا يتعارض مع الانخراط في قضية هي قضية أمة ومتصلة بمقدساتنا الدينية".
مشددا على أن "من يخرج صادقاً لنصرة المستضعفين وإعلاء كلمة الحق لا يفرّق بين القضايا"، لافتا إلى أن "من يخرجون من أجل قضايا الأمة وفلسطين وفق هذا المبدأ هم أنفسهم من يخرجون من أجل قضايا الوطن"، وتابع: "وهؤلاء الشباب المؤطرون بهذا المبدأ يستعصي شراء أصواتهم وذممهم، أو تحويل بوصلتهم لأن كرامتهم أكبر من أي مكسب مادي».
وتابع محمد نسيم من وسط المسيرة مستحضرا قول النبي ﷺ: «من لم يغزُ ولم يحدِّث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق»، موضحاً أن هذا الحديث لا يقتصر على ساحة القتال، بل يفتح أفقاً لمعاني الجهاد المتعددة، ومنها جهاد الكلمة والنفس والوقت. وأضاف قائلا: "نحن نجاهد بأنفسنا ووقتنا من أجل الحضور وتسجيل الدعم".
مواجهة الفساد القائم لا تنفصل عن رفض التطبيع
ولم يكن محمد نسيم وحده من عبّر عن هذا الوعي المتوازن بين قضايا الوطن وهموم الأمة، فصديقه سليمان الريفي (مواليد 2002) من المدينة نفسها، يشاطره الرؤية ذاتها، لكنه يضيف بعدا أعمق في فهم الحراك الشبابي ومسؤوليته الأخلاقية والدينية. فقد وجّه تحية عالية إلى الشباب الذين خرجوا إلى الساحات للمطالبة بالحقوق المشروعة.
واعتبر أن هذا الحراك "يدل على بداية انتشار الوعي في صفوف الشباب"، ودعاهم إلى المضي في التعبير السلمي عن مطالبهم بكل نزاهة ويقظة، حتى لا يستغل هذا الوعي من أي جهة كانت، مشدداً على "ضرورة الحفاظ على الطابع الديني في مشروعية المطالب، بما ينسجم مع خصوصية المجتمع المغربي الأصيلة"، واستشهد بقوله تعالى: إن تنصروا الله ينصركم.
وشدد الريفي، الذي اختار أن يعبر من خلف بكوفيته، على أن "مواجهة الفساد القائم لا تنفصل عن رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، لأن مدّ اليد للصهاينة هو أحد أبرز أسباب التردي الذي يعيشه الواقع المغربي والعربي". وأكد أن "مناهضة التطبيع يجب أن تكون مطلبا رئيسيا في أي حراك وطني صادق لأنها تعبير عن كرامة الأمة وصون لهويتها في وجه كل أشكال الاختراق والانحراف".
وقد تميزت المسيرة بتفاعل قوي من الشباب الذين رفعوا شعارات تندد بالإبادة الجماعية التي يرتكبها الكيان الصهيوني في غزة، وتؤكد أن البوصلة لا تنحرف مهما تنوعت القضايا الداخلية، إذ توحدت الأصوات على أن نصرة فلسطين هي امتداد طبيعي لرفض الظلم بكل أشكاله، سواء في الداخل أو الخارج.
غياب العدالة في أي بلد عربي هو ضوء أخضر للاحتلال الصهيوني لمواصلة ظلمه
وفي الاتجاه ذاته، يرى حمزة من مدينة طنجة (مواليد 1996) وهو من الناشطين المعروفين في وسائل التواصل الاجتماعي، أن "العلاقة بين قضايا الوطن وقضايا الأمة ليست علاقة تعارض أو تزاحم، بل علاقة تكامل وتساند". فحين تتحقق العدالة في الأوطان، يقول "تقوى الأمة كلها ويستعيد الوعي العربي والإسلامي وحدته وصلابته"، مؤكدا أن "العدالة بمفهومها الشامل سياسيا واجتماعيا واقتصاديا هي المدخل الحقيقي لنصرة فلسطين وكل قضايا المستضعفين".
واعتبر حمزة أن "غياب العدالة في أي بلد عربي يمنح الاحتلال الصهيوني ضوءا أخضر لمواصلة ظلمه وعدوانه، لأن ضعف الداخل يُغري المعتدي ويُفقد الأمة تماسكها". لذلك، كما يقول، فإن الدفاع عن فلسطين يبدأ من ترسيخ قيم العدل في المجتمعات العربية، "لأن الأمة العادلة هي وحدها القادرة على مقاومة الظلم الخارجي والانتصار لقضاياها الكبرى"، يقول حمزة.
القضية الفلسطينية ما زالت تنبض في وجدان المغاربة جيلا بعد جيل
ورأى متتبعون أن هذا الحضور الشبابي الواعي يعبر عن توازن لافت في الوعي الجمعي المغربي، يجمع بين الانشغال بقضايا الوطن العادلة والانخراط في هموم الأمة الكبرى، وهو ما يعكس عمق التجذر القيمي في المجتمع المغربي الذي ظل على الدوام يعتبر القضية الفلسطينية قضية مركزية ووطنية بامتياز.
وتنوعت المبادرات الشبابية في المسيرة بين رفع اللوحات الإبداعية وترديد الشعارات والانخراط في التظيم، وتصوير المحتوى عبر الهواتف لبثه في وسائل التواصل، في مشهد يجسد اندماج جيل جديد في معركة الوعي والموقف، ويؤكد أن القضية الفلسطينية ما زالت تنبض في وجدان المغاربة جيلا بعد جيل.
وشهدت المسيرة مشاهد معبرة لتعلق الأجيال بالرايات الفلسطينية وتوشحهم بالكوفيات، وتلويحهم بصور رموز المقاومة وأعلامها الكبار، فضلا عن ترديد شعارات البطولة والصمود والتحدي والمقاومة، في رسالة واضحة مفادها أن نبض الشارع المغربي، وفي مقدمته شبابه، لا يزال على العهد في مواجهة التطبيع والانحياز للحق الفلسطيني حتى التحرير ودحر الاحتلال وعودة اللاجئين وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريق.
كما لم تغب في المسيرة الشعارات المرتبطة بالقضايا الاجتماعية المحلية، حيث رفع المحتجون لافتات تطالب بالعدالة خاصة في مجال الصحة، وتدعو إلى تحسين الخدمات العمومية وضمان الكرامة الاجتماعية.





