ضفاف | 5 | على ضفاف الحب النبوي

على ضفاف الحب النبوي نجلس لنرتوي.. ضفاف أهلا بكم.
كلما حل الربيع النبوي، عادت النفحات، وأشرقت الأرض والسموات، فهي تدرك قدر المولود وفضله على الوجودِ، سيد ولد آدم. له من الأسماء والصفات ما خصه الله به دون الخلق أجمعين، من سار على منهاجه وصل، وبالكمالات ظفر.
علمتني اللغة
المحبة والحب مصدر مشتق من فعل حبَّ؛ وهو فعل قلبي، وما يميز الأفعال القلبية هي أنها لا تقتصر على جارحة واحدة كأفعال الجوارح، بل تتعداه لتسكن القلب والروح، وتفيض على كل جوارح الإنسان تمثلا وتشخيصا.
وحبَّ فعل مضعّف؛ "أي أن حرفين من حروفه الأصلية من نفس الجنس"، والحرف المضعف هنا هو الباء.
ومن معاني حرف الباء الإلصاق والاستعانة والسببية والمصاحبة والغاية. وإذا ما أضفنا معاني حرف الباء على المعنى العام الذي يعطيه حرف الحاء، الذي هو الإحاطة والحماية، فتصبح كلمة الحب والمحبة تأخذنا إلى جناب الحبيب التصاقا به ومصاحبة واستعانة به لتحقيق القرب والوصول، والغاية الأساس هنا من محبة وحب الرسول صلى الله عليه وسلم هي القرب والوصول إلى الله سبحانه وتعالى.
في حب الحبيب
الحب، هو ذلك الشعورُ الخفي الذي لا تُدرك سعته، هو تلك الحقيقةُ الإلهية التي لا يمكن حَدُّها ولا الإحاطة بها، هو ذلك الشعورُ الخفي الذي لا يدركه إلا من قامت به صفةُ المحبة، هو ذلك السر الذي نسبه الله تعالى إلى نفسه وجعله مقرونا بمحبة خير الخلق سيدنا وحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم وحسن اتباعه، إذ قال جل وعلا في محكم تنزيله: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.
فالمحبة اتباع، ومجاهدةُ نفس، وقهرُ أنا، وفناء بالروح والجوارح، وتصديقٌ بالعمل.
وقد عُرف الصحابة رضوان الله عليهم بتفانيهم في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنا في ذاك مواقف كثيرة؛ فهذا زَيْد بن الدَّثِنَّة في حادثة يوم الرجيع حينما أُسر وقَدِم عليه أبو سفيان ليقتلَه فقال له: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا زَيْدُ، أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا الْآنَ فِي مَكَانِكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ، وَأَنَّكَ فِي أَهْلِكَ؟ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الْآنَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَة تؤذيه، وأنّي جَالِسٌ فِي أَهْلِي. قَالَ: يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا.
وذاك سَوَادُ بن غُزِيَّةَ في معركة بدر حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي الصفوف قبل المعركة، وبيده سهم، فلما وصل إلى سوادِ بن غزية، رآه بارزًا، فقال: «اسْتَوِ يَا سَوَادُ»، ودفعه بالسهم، فقال سواد: أوجعتني يا رسول الله، فدعني أقتص منك، فيعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم السهم ويكشف له عن بطنه الشريف، فيعتنقه سوادُ وينهال عليه تقبيلا.. فيقول له: «ما حملك على هذا؟» فيقول: يا رسول الله، قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسَّ جلدي جلدَك.. فدعا له صلى الله عليه وسلم بخيرٍ.
ولأبي بكر رضي الله عنه مواقف لا تعد؛ فقد كان مثلا في المحبة و التصديق والاتباع؛ من حادثة الغار إلى جمع أمر المسلمين بعد وفاة الحبيب المصطفى مرورا بحادثة الإسراء والمعراج وغيرها، و فيه ورد ما أخبر به أبو سعيد الخُدْرِيّ قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، على المِنبر فقال: «إنَّ عبدًا خيَّره اللهُ بيْنَ أنْ يُؤتيَه مِن زَهرةِ الدُّنيا ما شاء وبيْنَ ما عندَه فاختار ما عندَه»، فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن عبد خيره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المُخيَّر، وكان أبو بكر هو أعلمنا به.
هذا حظ الصحابة من المحبة، فما حظ الصالحين؟
ديوان الصالحين
دفعت الأشواقُ أهل الأذواقِ عبر الآفاقِ فأنشدوا قصائدَ تَعبَق بروائح المحبة والأنوار، المنبعثة من مقام سيّد الأبرار، فهذا مالك بن المُرَحَّل تهزّه الأشواق هزّا وتدفعه للقيا الحبيب الممجد:
شـــوقٌ كمَـــا رُفعَت نــــارٌ على علـــمِ ** تشِــــبُّ بين ضُلـــــوع الضَّال والسَّلــمِ
ألُفُّـــــه بضلوعـــــي وهْـــــوَ يُحرقِـــــهَا ** حتَّى برانِـــــيَ بريـــــــاً ليسَ بالقلــــمِ
مـــنْ يشترينــــيَ بالبُشرَى ويملكُنــي ** عبـــداً إذا نظـــرتْ عينــــي إلى الحَرمِ
دعْ للحبِيــبِ ذمَامِــــي واحتملْ رمقِـي ** فلـــيْسَ ذا قدم مــــن ليْـــس ذا قِــدمِ
ذَاكَ الحبيــــبُ الَّذي تُرجَــــى شفاعتهُ ** مُحمَّــــدٌ خيْـــــرُ خلــــقِ الله كلهِّــــــمِ
صَلَّـــــى عليْهِ إلَهُ الخَلــقِ مــــا طلَعتْ ** شمـــسٌ ومَا رُفِعَتْ نـــــارٌ عَلَى عَلــمِ
يحكى أن
حكايتنا اليوم مختلفةٌ شيئا ما، ليست عن شخص ولا عن حدث، وإنما هي عن كتاب اعتُبر أروعَ وأرقى ما كُتب في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه كتاب "الشفا" لكاتبه المغربي دفينُ مراكشَ وأحدُ رجالها السبعة: القاضي عياض.
هذا الكتاب البليغ الذي اعتُبر من أهم تآليفِ القاضي عياض وأكثرِها ذكرا وانتشارا، رُزق من الحُظوة والشهرة والسرِّ وحُسن القَبول لدى الخواص والعوام ما لم يُرْزَقه أي تأليف مغربي آخر، طارت نسخه شرقا وغربا، أبدع فيه عياض كلَّ الإبداع. مما قيل في الشفا:
ما كتاب الشفا إلا شفاء *** للقلوب المِراض والأجساد
وقال بعضهم:
كلُّهم حاول الدواءَ ولكن *** ما أتى بالشفاء إلا عياض
قال المقري في أزهار الرياض معددا بعض مزاياه: “وفضائل هذا الكتاب لا تُستوفى، ولا يمتري من سمع كلامه العذبَ السهلَ المُنوَّرَ في وصف النبي صلى الله عليه وسلم أو وصفِ إعجاز القرآن أن تلك نفحةٌ ربانية، ومنحة صمدانية، خص الله بها هذا الإمامَ، وجلاهُ بدرُها النظيمُ، وذلك فضل الله يوتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم”.
ومن الكلمات السائرة مسير الأمثال لدى المغاربة قولهم: لولا الشفا لما ذكر عياض، ولولا عياض ما ذكر المغرب.
وعياض هو “الإِمام العلامة الحافظ القاضي أبو الفضل عِيَاضُ بنُ مُوْسَى بنِ عِيَاضِ بنِ عَمْرِو بنِ مُوسَى بنِ عِيَاضٍ اليَحْصَبيُّ، الأَنْدَلُسِيُّ، ثُمَّ السَّبْتِيُّ، المَالِكِيُّ. ولد (بسبتة) فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ. تحول جدهم من الأندلس إلى فاس، ثم سكن سبتَة”.
“كان إمام وقته في الحديث وعلومه، وجمع من الحديث كثيرا، وكان له عنايةٌ كبيرة به والاهتمام بجمعه وتقييده. وهو من أهل التفنن في العلم والذكاء واليقظة والفهم”.
وكان الشفاء من أروع ما كتب في شمائل الحبيب المصطفى، وله فيه شعر في التشوق إلى زيارة النبي صلى الله عليه وسلم؛ بث فيه لواعجَه ولهفَته الشديدةَ لزيارة المحبوب الأعظم صلى الله عليه وسلم، وكيف لا يتشوق إلى تلك الديار المقدسة وساكنيها، وهو الذي وهب حياته لخدمة سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والدفاع عنها والذب عن حياضها خدمةً لصاحبها عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
يقول دفين مراكش:
قِف بالركابِ فهذا الربعُ والـدارُ ** لاحتْ عليكَ من الأحبابِ أنوارُ
بُشراكَ بُشراكَ قد لاحت قِبابهُـمُ ** فانزل فقدْ نِلتَ ما تهوى وتخـتـارُ
هذا النبيُّ الحجازي الذي شهدتْ *** له بتقديمه رسل وأخبار
هذا الشفيع الذي ترجى شفاعتُه *** للمذنبين إذا ما اسودت النار
شذرات شعرية
ونختم بروائع القول في مسك ختام الأنبياء، من أشعار الأستاذ الحسن السلاسي رحمة الله عليه:
نورٌ من النور الجميل ساطعٌ ** أنواره هلّت علينا تشهدُ
بأمّةٍ أضحى الفؤاد مسهَّدا ** يرجو الهنا لأمّةٍ ويسندُ
يدعو الإله أمّتي مستغفرا ** وشافعا يوم المعاد يحمدُ
بالحمد خصّه الكريم واهبا ** هذا اسمه وفي الورى محمّدُ
محمودة أوصافه وذكره ** باقٍ على لساننا يُردّدُ
معلّمٌ فيه العلوم أجمعت ** أن الرسول علمه مؤيّدُ
من بسمةٍ أبدى الغريبُ فضلها ** في أرض جرمان رواها المعهدُ
يا خيرَ من أعلى الأنامُ ذكرَه ** في مجمع ٍ للعالمين ينشدُ
يا فارسا يمضي إلى ساح الوغى ** وعابدا بالليل شكرا يسجدُ
فصلوا على المؤيد الفارس العابد الساجد.
وإلى الملتقى.
















