فاجعة سبتة: إنذار مدو يكشف عن اختلالات بنيوية عميقة

Cover Image for فاجعة سبتة: إنذار مدو يكشف عن اختلالات بنيوية عميقة
نشر بتاريخ

بقلم: د. محمد عزمي

الكاتب العام لشبيبة العدل والإحسان

تتعدد فرضيات التوظيف السياسي وتأويلات تصفية الحسابات بخصوص فاجعة النزوح الجماعي لعشرات الآلاف من الشباب المغاربة، معهم عائلات مصطحبين أطفالا رضعا، يندفعون برا وبحرا نحو المجهول، ويخاطرون بالغرق أو الدهس أو الاعتقال، فقط لأن الضفة الأخرى تبدو لهم، رغم كل هذا، أقل قسوة من البقاء في وطنهم.

وبحسب المعطيات الأولية المتوفرة إلى حدود اللحظة، فقد رفعت سلطات سبتة التقدير الإجمالي لمن عبروا الحدود إلى داخل مدينة سبتة إلى أزيد من 60 ألفا. كما بلغت حصيلة الضحايا العشرات، في انتظار تحديد العدد النهائي للمفقودين والضحايا. ولا تتوفر بعد معطيات رسمية دقيقة حول أعمار جميع العابرين وأوضاعهم الاجتماعية، وإن كان الحضور الشبابي يبدو طاغيا في الصور والشهادات المتداولة.

لكن، وعلى الرغم من أن لكل الفرضيات والتأويلات ما يسندها على أرض الواقع، وأن تتبعها والتحقق منها سيفيد في مسار استكمال الصورة لفهم ما يجري، إلا أن السؤال الأعمق لا ينحصر فقط في كيف عبر هؤلاء؟ ومن فتح الحدود أو عجز عن إغلاقها؟ بل يتجاوز كل هذا إلى سؤال عن الأسباب والبواعث التي تجعل عشرات الآلاف مستعدين للمخاطرة بحياتهم بمجرد أن تلوح لهم في الأفق ثغرة للإفلات من أرضهم وأرض أجدادهم المجاهدين الذين سقوها بدمائهم الطاهرة دفاعا عنها وتمسكا بها.

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يقلق الدولة والمجتمع والنخب أكثر من الأسئلة الأمنية والدبلوماسية، فالفاجعة تكشف عن لحظة فقدان للثقة، وهروب جماعي من قسوة وطن، جراء فشل السياسات العمومية وأزمة بنيوية مركبة على مستوى منظومة الحكامة.

في هذا المقال، نستعرض أبرز مظاهر الأزمة البنيوية التي تعصف بواقع الشباب، وتسهم إلى حد بعيد في إنتاج سلوك احتجاجي غير مؤطر وغير منتج، تتراوح تعبيراته بين العزوف والانكفاء والاحتجاج العفوي، وقد تنزلق أحيانا إلى أشكال أكثر سلبية وخطورة تحت وطأة الإحباط، وانسداد الأفق، وتلاشي الأمل في حياة كريمة.

1-      مدرسة لم تعد تضمن الارتقاء

كان الولوج للمدرسة، في الوعي الجماعي للمغاربة، وعدا بالتحرر من الفقر وسلما للارتقاء الاجتماعي. كانت الأسرة تتحمل المشاق لأنها تؤمن بأن المدرسة ستمنح أبناءها مستقبلا أفضل. لكن هذا الوعد بدأ يفقد صدقيته أمام واقع تتسع فيه الفجوة بين الولوج إلى التعليم وبين جدواه وجدوى شهاداته في بناء مستقبل أكثر استقرارا وأكرم معيشة.

في اختبار PISA لسنة 2022، لم يتمكن من بلوغ الحد الأدنى من الكفاءة في الرياضيات سوى 18% من التلاميذ المغاربة في سن الخامسة عشرة. أي إن أكثر من أربعة تلاميذ من كل خمسة لم يبلغوا المستوى الأساسي المطلوب للتعامل مع وضعيات رياضية بسيطة 1

ولا تتعلق المشكلة بضعف التعليم وحده، بل أيضا بالهدر المدرسي، والفوارق بين التعليم العمومي والخصوصي، وبين المدينة والقرية، وضعف التوجيه، وعدم ملاءمة جزء كبير من التكوين مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية واحتياجات سوق الشغل. وحين يقضي الشاب سنوات في الدراسة ثم يجد نفسه في البطالة أو في عمل هش لا يناسب مؤهلاته، تتحول الشهادة من مصدر للأمل إلى شهادة على خيبة أمل وانسداد أفق.

المدرسة لا تفقد دورها في الارتقاء الاجتماعي لأنها لا تمنح الشهادات، بل لأنها لم تعد تضمن أن يقود الاجتهاد والكفاءة، بصورة عادلة، إلى فرصة حقيقية في حياة كريمة. وتعلن بذلك فشلا أكبر في تربية الأجيال على حب وطنهم والانخراط التلقائي في ازدهاره وحفظ أمنه.

2-     انتقال معاق من الدراسة إلى سوق الشغل

الواقع الاقتصادي لا يوفر بدوره ما يكفي من المسارات لتحقيق تطلعات الشباب. فقد بلغ حسب المندوبية السامية للتخطيط معدل بطالة الشباب بين 15 و24 سنة 37.2% خلال سنة 2025، ووصلت البطالة في صفوف حاملي الشهادات إلى 19.1%. وارتفع عدد الأشخاص الموجودين في وضعية شغل ناقص إلى 1.19 مليون شخص، بنسبة 10.9% 2.

وتزداد الصورة قتامة عند النظر إلى شباب NEET، أي الشباب الموجودون خارج التعليم والعمل والتكوين. ففي سنة 2023 كان 1.5 مليون شاب بين 15 و24 سنة في هذه الوضعية، أي 25.6% من الفئة العمرية. وترتفع النسبة إلى 50.2% لدى الشباب بين 25 و29 سنة، وهي السن التي يُفترض أن يكتمل فيها الانتقال إلى الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي 3.

هذه الأرقام تبرز تعثرا بنيويا في الانتقال من المدرسة والجامعة إلى سوق الشغل. كما أن الحصول على وظيفة لا يعني بالضرورة الخروج من الهشاشة، بسبب ضعف الأجور، وغياب الاستقرار والتغطية الاجتماعية، وعدم التناسب بين المؤهلات والمهام، وصعوبة الحصول على السكن وتأسيس أسرة مستقلة.

3-     هجرة الأطر والكفاءات

الهجرة لم تعد تعبيرا عن ضيق الفئات الفقيرة وحدها. فهي تشمل أيضا الأطباء والمهندسين والباحثين وغيرهم من الكفاءات التي أنفق المجتمع سنوات وموارد كبيرة على تكوينها.

وتفيد معطيات منسوبة إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان بأن ما بين 10 آلاف و14 ألف طبيب مغربي يعملون في الخارج، مقابل نحو 23 ألف طبيب يمارسون داخل المغرب. كما تقدّر مؤسسة مهنية غير حكومية عدد الأطباء الذين يغادرون سنويا بما بين 600 و700 طبيب 4.

وتؤكد استطلاعات الرأي أن الرغبة في الرحيل ليست هامشية أو مقتصرة على فئة معينة، فقد صرح 64% من الشباب المغاربة بين 18 و35 سنة بأنهم فكروا، بدرجات متفاوتة، في الهجرة، وقال 28% إنهم فكروا فيها كثيرا. وكان البحث عن عمل أو فرصة مهنية أفضل الدافع الأول لدى أغلبهم [5].

إنها مفارقة مؤلمة، فئات تهاجر لأنها لم تجد فرصة، وأخرى تهاجر رغم حصولها على الشهادة والوظيفة، لأنها لم تجد شروط الاعتراف والكرامة والعدالة في الارتقاء المهني.

4-     إنذارات متتالية لم تجد آذانا صاغية

لم تكن فاجعة سبتة أول إنذار. فقد سبقتها أحداث عدة، نذكر منها احتجاجات شباب الريف وجرادة التي عبّرت عن مطالب اجتماعية وتنموية واضحة، قبل أن تنتهي باعتقالات وأحكام وصلت إلى عشرين سنة في حق عدد من رموزها.

وسبقتها أيضا أزمة طلبة الطب التي استمرت نحو أحد عشر شهرا، ولم تصل إلى التسوية إلا بعد توتر طويل، وفض اعتصامات وتوقيف طلبة. كما شهدت الجامعات تدخلات لمنع أنشطة طلابية وفض احتجاجات داخل فضاءات كان يفترض أن تظل المجال الأرحب داخل المجتمع للتعبير والنقاش والمشاركة في القضايا المجتمعية، لما لهذه المشاركة من آثار استراتيجية في بناء الثقة والولاء للوطن.

ثم جاءت احتجاجات ما عرف ب «جيل زد 212» سنة 2025، معلنة عن مطالب تخص تحسين التعليم والصحة وتوفير فرص الشغل، إلى جانب ما يصرف من ثروات خيالية على بناء الملاعب وفضاءات استقبال استحقاقات كأس العالم لكرة القدم 2030، وما ستخلفه هذه المشاريع من ديون ثقيلة محكوم على الشباب تأديتها رغم عدم إشراكهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في القرارات المرتبطة بها، ثم انتهت كسابقاتها بالقمع والاعتقال.

لقد نجحت الدولة مؤقتا من خلال المقاربة الأمنية في إخلاء الشوارع من مظاهر الاحتجاج والتعبير المشروع عن رفض بعض القرارات، لكنها لم تعالج الأسباب التي دفعت الشباب إليه. وحين يغلق الشارع بالعنف تجاه الشباب، فإن الاحتقان يعيد إنتاج نفسه ويتشكل في أشكال أخرى قد تكون أكثر تطرفا. وهذا ما حصل في فاجعة سبتة الأليمة.

5-     أحزاب فقدت وظيفة التأطير السياسي

تتحمل الأحزاب والنقابات والجمعيات جزءا أساسيا من المسؤولية، فوظيفتها الأساسية هي التأطير المتواصل للمواطنين، خاصة الشباب، والاستماع إليهم وإشراكهم، وتحويل مطالبهم إلى برامج وسياسات، ثم تعبئتهم للانخراط في قضايا الشأن العام وفق خيارات أشركوا مسبقا في بلورة مضامينها. وليس فقط الظهور خلال الانتخابات أو إصدار البيانات بعد انفجار الأزمات.

وفق استطلاع أفروبارومتر 2024 5، لا يشعر بالقرب من أي حزب سياسي سوى 8% من الشباب المغاربة بين 18 و35 سنة. وخلال الاثني عشر شهرا السابقة للاستطلاع، أفاد 10% فقط بأنهم تواصلوا مرة واحدة على الأقل مع مسؤول حزبي، و6% مع نائب برلماني. هذه الأرقام لا تعني أن الشباب غير مهتم بالشأن السياسي، بل تعني أن الأحزاب لم تعد بالنسبة إليه قناة فعالة للتأثير.

حين تفقد الأحزاب السياسية دورها في تأطير المواطنين، ولا سيما الشباب، وعندما يقتنعون بأن صوتهم لا يؤثر في القرار، فإن ردود أفعالهم قد تتجه نحو العزوف والانكفاء، أو البحث عن خلاص فردي جزئي بأي ثمن، هذا ما كشفته المشاهد المأساوية في سبتة.

6-     على سبيل الختم

فاجعة سبتة هي حصيلة تراكم طويل من الإخفاقات التنموية، وتجريف للحقل السياسي من مقومات المشاركة والتعبير الحر، وتمييع الحياة الحزبية إلى الحد الذي لم يعد معه لاختيار هذا الحزب أو ذاك أثر ملموس في طبيعة السياسات التي ستفرض على المواطن.

وهي أيضا نتيجة للاستبداد السياسي والمقاربة الأمنية التي ووجهت بها مختلف التعبيرات الاحتجاجية الشبابية الميدانية خلال السنوات التي أعقبت الربيع العربي، مما أضعف منافذ التعبير والتأثير في صياغة القرار والسياسات العمومية. كما أنه رد فعل على افتراس اقتصادي متصاعد، راكم الثروة والامتيازات في يد طغمة محدودة من المترفين، ووسع الهوة بين خطابات الإنجازات الاستثنائية وواقع البؤس اليومي الذي تعيشه شرائح واسعة من الشعب المغربي.

قد ينتهي هذا الفصل من مسلسل الأزمة، ويعود الآلاف من الشباب إلى مدنهم، لكن الأسباب التي دفعت هؤلاء إلى المغامرة بأرواحهم ستظل قائمة، بل قد تزداد حدة، ما لم يقع تحول عميق في السياسات العمومية وتحول أعمق في أسلوب تدبير الشأن العام.

لذلك، فإن الدولة مطالبة بأن تتحلى بأقصى درجات المسؤولية، وأن تمتلك الإرادة الصادقة لمراجعة سلوكها تجاه شباب تتزايد في أوساطه مؤشرات الاحتقان وفقدان الثقة. وهذا يقتضي القطع مع المقاربات الأمنية الضيقة، وإقرار إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية جذرية، تعيد الاعتبار إلى كرامة المواطن، وتضمن عدالة توزيع الثروة، وتفتح أمام الشباب آفاقا ملموسة للمشاركة في قضايا الشأن العام وصناعة المستقبل.

وفي المقابل، تقع على عاتق القوى الوطنية الحية والغيورة على مستقبل البلاد مسؤولية المسارعة إلى بناء جبهة مجتمعية واسعة، وتأطير نضالات ميدانية، واستعادة مساحات الفعل والتأثير السياسي والمجتمعي. كما يتعين عليها بث الأمل في صفوف الشباب، وإقناعهم بأن التغيير المسؤول والواعي، مهما بدا مساره شاقا وطويلا، يظل أجدى من الارتماء في أحضان المجهول بحثا عن الحد الأدنى من الحرية والكرامة.


[1] ”PISA 2022 Results (Volume I and II) Country Notes: Morocco”

.https://www.oecd.org/…/pisa…/morocco_10dfcb74-en.html..


[2] HCP، ”Activité, emploi et chômage, résultats annuels 2025”.

https://www.hcp.ma/Activite-emploi-et-chomage-resultats….


[3] ”Profilage statistique des jeunes NEET au Maroc” .

https://www.hcp.ma/file/247673/.


[4] “الهجرة البيضاء”.. رحيل أطباء المغرب تحد يواجه القطاع الصحي

https://www.aa.com.tr/…/%D8%A7%D9%84%D9%87%D8…/3644877


[5] ”Afrobarometer Dispatch No. 1004،” .

https://www.afrobarometer.org/…/AD1004-Youth-like….