فِي عِصْمَة نَبِيّنَا وسائِر الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِم

من كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ، للقاضي عياض، ج2، ص 85-96. الطبعة الثالثة: 1461هـ – 2001م.
الْبَاب الأَوَّل: فِيمَا يَخْتَصّ بِالْأُمُور الدَّينِيَّة والْكَلَام فِي عِصْمَة نَبِيّنَا وسائِر الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِم
قَال الْقَاضِي أبو الفضل رضي الله عنه: اعْلَم أن الطّوَارِئ مِن التَّغَيُّرَات عَلَى آحَاد الْبَشَر لَا يَخْلُو أَن تَطْرَأ عَلَى جِسْمِه، أو عَلَى حَوَاسّه بِغَيْر قَصْد وَاخْتِيار؛ كَالْأَمْرَاض وَالْأسْقَام، أَو بقصد واختيار؛ وَكُلُّه فِي الْحَقِيقَة عَمَل وَفِعْل، وَلكِن جَرَى رَسْم الْمَشَايخ بَتَفْصِيلِه إِلَى ثَلَاثَة أنْوَاع: عَقْدٍ بِالْقَلْب، وَقَوْل باللّسَان، وَعمَل بِالْجَوَارِح.
وَجَميع الْبَشَر تَطْرَأ عَلَيْهِم الآفَات والتغيرات بالاختيار وَبِغَيْر الاخْتِيَار فِي هَذِه الوُجُوه كُلّهَا.
وَالنَّبِيّ ﷺ، وإن كَان مِن الْبَشَر، ويجوز على جِبِلّته ما يَجُوز عَلَى جِبِلَّة الْبَشَر؛ فَقَد قَامَت الْبَرَاهِين القاطعة، وتمت كَلمَة الْإجْماع عَلَى خُرُوجِه عَنْهُم، وَتَنَزْيِهه عَن كَثِير مِن الآفَات التي تَقَع عَلَى الاخْتِيار، كَمَا سَنبيّنُه - إن شَاء اللَّه تَعَالَى - فِيمَا يَأتِي مِن التّفَاصِيل.
فصل فِي حكم عقد قلب النَّبِيّ ﷺ من وقت نُبوته
اعْلَم، مَنَحَنَا اللَّه وإياك تَوْفِيقَه، أنّ مَا تَعَلَّق مِنْه بِطَرِيق التَّوْحِيد، وَالْعِلْم بِالله وَصِفَاتِه، وَالْإِيمَان بِه، وَبِمَا أُوحِي إليْه فَعَلَى غَايَة الْمَعْرِفَة، وَوُضُوح الْعِلْم وَاليِقِين، وَالانْتِفَاء عَن الْجَهْل بشيء من ذَلِك، أو الشَّكّ أَو الرَّيْب فِيه، والعصمةِ من كُلّ مَا يُضَاد الْمَعْرِفَة بِذَلِك وَالْيَقين.
هذا ما وقع إجْمَاعُ المسلمين عَلَيْه، وَلَا يَصِحّ بِالْبَرَاهِين الْوَاضِحَة أن يَكُون فِي عُقُود الْأَنْبِيَاء سواه؛ وَلَا يُعترض عَلَى هَذَا بِقَول إِبْرَاهِيم عَلَيْه السَّلَام: قَال بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي (سورة البقرة، الآية 260)، إِذ لَم يَشُكّ إبْرَاهِيم فِي إخْبَار اللَّه تَعَالَى لَه بِإحْيَاء الْمَوْتَى، وَلكِن أرَاد طُمَأْنِينَة الْقَلْب، وَتَرْكَ الْمُنَازَعَة لِمُشَاهَدَة الْإحْيَاء؛ فَحَصَل لَه الْعِلْم الأَوَّل بِوُقُوعِه، وَأرَاد الْعِلْم الثَّانِي بِكَيْفِيَّتِه وَمُشَاهَدَتِه.
الْوَجْه الثَّانِي: أَنّ إبْرَاهِيم عَلَيْه السَّلَام إِنَّمَا أراد اختبار مَنْزِلَتِه عِنْد رَبّه، وَعِلْم إِجَابَتِه دَعْوَتَه بِسُؤَال ذَلِك من رَبّه؛ ويَكُون قَوْله تعالى: أَو لم تُؤْمِن (سورة البقرة، الآية 260)؛ أي تُصَدّق بِمَنْزِلَتِك مِنّي، وَخُلَّتِك، وَاصْطِفَائِك.
الْوَجْه الثالث: أنَّه سَأل زِيَادَة يَقِين وَقُوَّة طُمَأْنِينَة، وَإِنّ لَم يَكُن فِي الأَوَّل شَكّ؛ إِذ الْعُلُوم الضَّرُورِيَّة والنَّظَرِيّة قَد تَتَفَاضَل فِي قُوَّتِهَا، وَطَرَيَان الشُّكُوك عَلَى الضَّرُورِيَّات مُمْتَنِع، ومُجَوَّز فِي النَّظَرِيَّات؛ فَأرَاد الانْتِقَال مِن النظر والخبر إلى المشاهدة وَالتَّرَقّي من عِلْم الْيَقِين إِلَى عَيْن اليقين؛ فليس الْخَبَر كَالْمُعَاينة، ولهذا قَال سَهْل بن عَبْد اللَّه: سَأل كَشْف غِطَاء الْعِيَان لِيَزْدَاد بِنُور الْيَقِين تَمَكُّنًا فِي حَالِه.
الْوَجْه الرابع: أنَّه لَمّا احْتَجّ عَلَى المُشْرِكِين بأنّ رَبَّه يُحْيِي وَيُمِيت طَلَب ذَلِك من رَبّه، لِيَصِحّ احْتِجَاجُه عِيَانًا.
الوجه الخامس: قول بَعْضهم: هُو سُؤال عَلَى طَرِيق الْأَدَب؛ والمرادُ: أقْدِرْني عَلَى إحْيَاء الْمَوْتَى، وَقَوْلُه: لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي عن هَذِه الْأُمْنِية.
الْوَجْه السادس: أنَّه أرَى من نَفْسِه الشَّكّ، وَمَا شَكّ، لكِن لِيُجَاوَب فَيزْدَاد قُرْبُه.
وقول نبِينا: "نَحْن أحَقّ بالشَّكّ من إبْرَاهِيم" نَفْي لِأَن يَكون إبْرَاهِيم شَكّ، وإبْعَاد للخواطر الضعيفة أن تَظُنّ هَذَا بِإبْرَاهِيم؛ أَي نَحْن مُوقِنُون بِالْبَعث، وَإحْيَاء الله الموتى؛ فلو شَكّ إبْرَاهِيم لكنَّا أوْلى بالشَّكّ مِنْه؛ إِمَّا عَلَى طريق الأدب، أَو أن يُرِيد أُمَّتَه الذين يَجُوز عَلَيْهِم الشك، أَو عَلَى طَرِيق التَّوَاضُع وَالإشْفَاق إن حملَت قِصَّة إبْرَاهِيم عَلَى اختباره حَاله، أو زِيادَة يَقِينه.
فَإِن قُلْت: فَمَا معني قوله: فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (سورة يونس، الآية 94 – 95).
فَاحْذَرْ - ثَبَّتَ اللَّه قَلْبَك - أن يَخْطُر بِبَالِك مَا ذَكَرَه فِيه بَعْض الْمُفَسّرِين، عَن ابن عَبَّاس أَو غَيْرِه - من إثْبَات شَكّ لِلنَّبِيّ ﷺ فِيمَا أُوحِي إليْه، وَأنَّه مِن البَشَر؛ فَمِثْل هَذَا لَا يَجُوز عَلَيْه جُمْلَة؛ بَل قَد قَال ابن عَبَّاس وغيره: لَم يَشُكّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم، وَلَم يَسْأل.
وَنَحْوَه عَن ابن جُبَيْر، والحسن.
وَحَكَى قَتَادَة أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَال: "مَا أشُكّ وَلَا أَسْأل"، وَعَامَّة الْمُفَسّرِين عَلَى هذا (1).
(...).
(1) عزاه السيوطي لابن جرير.






