"ولا تقربا هذه الشجرة"

آية قرآنية واعظة في معناها الشمولي، فكم من شجرة تقربها النفس شهوة وضعفا واستعجالا، بسبب آفة البحث عن المفقود وعدم شكر نعمة الموجود، والذي يكون هذا شأنه هو جاحد لنعم الله الظاهرة والباطنة. هي أمور تقربها النفس في طريق غفلتها عن ربها، مسرعة الخطى، مواصلة المسير فوق جسر قنطرة العمر.
آية ربانية تحذرنا أن لا نقرب كل ما تشتهيه نفوسنا، وأن نجاهد في تهذيب هذه النفس، ونعمل على إشغالها بالذكر والعبادة والطاعة. فالاستقامة على النهج الكريم تكون عن طريق الاستنارة بشعلة الهدي الرباني؛ كتاب الله وسنة رسوله، وحبلهما الموصول بصحبة أهل الخير والصلاح والفلاح، في صحبتهم اقتداء ومثابرة على تأدية الطاعات والقربات إلى الله جل وعلا.
وفي المحافظة على المداومة على طاعة الله فوائد جمة، تعود على الفرد بالراحة والطمأنينة والسعادة. السعادة تجدها حين تعقد الصلح مع الله، فتصطلح مع نفسك، وحين تصطلح مع نفسك تصطلح مع الله فطرة. والنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية وهوت بك إلى الضنك والذل والشقاء، ومن أسباب المداومة على الطاعة معرفة ثمراتها، فمعرفة ثمرات الشيء والإحاطة بفوائده تعين على الثبات عليه والتمسك به، كما قال الخضر لموسى عليهما السلام وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (الكهف، 68).
قال المفسرون: أي كيف تصبر على أمر ما أحطت بباطنه وظاهره، ولا علمت المقصود منه ومآله؟!
فالطاعة الحقيقية معناها الاستسلام الكامل في كل شؤون الحياة لله عز وجل، وأن يجدنا حيث أمرنا، ولا يرانا حيث نهانا. فالفرد الملتزم بدينه مستسلم لأمر ربه في عقيدته وعبادته وسلوكه، ومعاملاته بين الناس .
وكذا الأمة الملتزمة مستسلمة لأمر ربها؛ في شرعها وحكمها وعلاقتها بسائر الأمم. لذا وجب على المؤمن الصادق أن يتحقق فيه قول الله عز وجل: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (الأنعام، 162).
قليل من المؤمنين من تصل به لذة الطاعة إلى حلاوة الإيمان، هذه الحلاوة ثمنها باهظ جدا، الثمن اجتهاد وانضباط، وتضحية تنعكس على المؤمن تفاؤلا وأمنا وحبا وثقة بالله، هو حقا فوز بالله يشع نوره من قلب المؤمن المطمئن، الحريص على ضبط النفس والقلب على الطاعة التي توصله إلى اليقظة القلبية، ثم إلى أعلى مقامات القرب عند الله عز وجل.
أجل؛ هذه الدنيا أحقر من أن نهتم بها، فالدنيا تغر وتضر وتمر، الدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والنفس طماعة عوِّدها القناعة، كما قال سلفنا الصالح.
ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (البقرة، 35).
أي ولا تأكلا من هذه الشجرة فتصيرا ممن ظلم نفسه بمخالفة أمر ربه، هو أمر رباني، والمقصود من النهي عن الأكل من الشجرة بقاء فضيلة التنعم لآدم في الجنة، فكان أولا الظلم لأنفسهما بارتكاب معصية استوجبت غضب الله وعقابه، وثانيا الظلم لنفسيهما بحرمانهما من دوام الكرامة. حكمة إلهية تعلمنا الصبر على أمر الله والتنعم بما رزقنا إياه.
ونحن نعيش أيام شهر رمضان الفضيل، شهر التوبة والغفران، فلنجدد فيه الصلح مع الله، فهو فرصة عظيمة لمحاسبة النفس وحملها على الطاعة، وجبر كسرها، وتقويم سيرها إلى المولى عز وجل .
إنه شهر ليس كباقي الشهور، فقد أخرج البيهقي والطبراني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحبيب قال: “أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل”. نسأله سبحانه أن تغشانا فيه رحمته وثوابه وفضله الجميل، خاصة وأن عبادة الصيام عبادة عظيمة، لما لها من آثار في تزكية النفس وكبح جماح الشهوات، هي زاد إيماني يشحذ الهمة، ويوجد في النفس ملكة التقوى، ويربيها على قوة الإرادة لاستئناف السير في درب الطاعة والاستجابة .
اللهم بارك لنا في السير إلى رضاك في هذا الشهر العظيم، واستجب دعاءنا بدوام الوصل والأنس بك، وجد علينا بمنك وكرمك بمحبتك ومحبة رسولك الكريم، واجعلنا ممن شملتهم في هذا الشهر الفضيل برحمتك ومغفرتك وعتقك من النار، يا أكرم من سئل وأجود من أعطى .





