مغاربة الأسطول وموقف الدولة الشارد

مجددا، تتخلف الدولة المغربية عن مجتمعها، وتفارق إرادته النافذة ومحجّته البيضاء، بل وتتخلى عن أبسط أدوار الأنظمة في الدفاع عن مواطنيها وحمايتهم والتدخل لدفع الأذى الواقع عليهم من دول أخرى أو ميليشيات تقطع طريقهم.
مشهدان ارتسما في سماء المغرب على هامش مشاركة ثلة من الأحرار والحرائر في أسطول الصمود العالمي لكسر الحصار عن غزة، وبعد القرصنة الصهيونية لقواربهم واقتياد عدد منهم إلى الاعتقال قبل إطلاق سراحهم بعد تعنت ومماطلة؛ إذ في الوقت الذي ارتفعت صورهم وعلا ذكر أسمائهم وتصدر مطلب إطلاق سراحهم مسيرات المغاربة ووقفاتهم واحتجاجاتهم ونشاطهم الإعلامي والمدني، غابت الدولة تماما؛ كأن الأمر لا يعنيها ألبتّة، أو كأنهم ارتكبوا ما يستوجب التنكر والتبرم، أو كأنهم ليسوا مواطنين مغاربة ينتمون إلى هذه الأرض.
لاذت الدولة المغربية بصمت يدينها ويثير حولها علامات استفهام عديدة ومحرجة، صمتت حين همّ الشرفاء بالمشاركة ويمموا وجهتهم صوب تونس العاصمة، وصمتت حين تعرض أسطولهم للعرقلة والتخريب الصهيوني، وأصابها الخرس يوم أقدمت قوات الكيان على قرصنة الأسطول واقتياد المشاركين فيه وبينهم المغاربة الأبطال إلى السجن وسط إهانات وتهديدات، وواصلت صمتها المريب -الناطق تصهينا- ومواطنوها في زنزانات الكيان وفي غياهب جرثومة الشر.
والغريب هنا؛ أن دولا عديدة أدانت وهددت وتوعدت، وتحركت على أكثر من صعيد سياسي وديبلوماسي وإعلامي، تنديدا بالقرصنة أولا ودعوة إلى إطلاق سراح مواطنيها ثانيا، في حين ابتلعت الدولة المغربية -التي شارك قرابة الثلاثين من أبنائها وبناتها في الأسطول- لسانها، وكشفت أن التطبيع الساقط الذي هوت إليه لم ينفع حتى المغاربة فكيف يفيد الفلسطينيين؟!
لقد جاء حدث مشاركة شرفاء مغاربة في أسطول الصمود، ومنهم وجوه وطنية معروفة وفاعلون سياسيون وحقوقيون ومدنيون بارزون، ليؤكد أن الشعب المغربي الذي لم يهدأ منذ السابع من أكتوبر يواصل المضيّ على خطه اللاحب دعما وإسنادا وضغطا. فبعد أن سيّر المسيرات ونظم الوقفات وأرسل الوفود وقاطع المتواطئين وأسهم في معركة الوعي واحتضن خطاب المقاومة، جاء الدور على المشاركة الفعلية الحية في الأسطول والسعي إلى كسر الحصار... مُجدّدا التحامه التاريخي مع قضية الأمة الأولى حيث القبلة الأولى.
كما جاء أسطول الصمود، الذي شكل ضغطا غير مسبوق على الكيان الصهيوني المجرم ووضعه في زاوية شديدة الضيق، ليزيد صورة التطبيع الكالحة سوادا، وليكشف أكثر أن دولتنا ذهبت بعيدا في مسار قبولها بكل ما يصدر عن الكيان اللقيط؛ حتى لو كان خارطة مبتورة من صحرائه يحملها المجرم المطلوب لدى المحاكم الدولية، أو إطلاقا للرصاص على ممثلين ديبلوماسيين بينهم ممثل المغرب، أو اختطافا وأسرا لعدد من مواطنيه!
ستظل مشاهد استقبال هؤلاء الأبطال المغاربة الأحرار عند المطار وأمام المنازل وفي الوقفات، ذات دلالات إنسانية عميقة وأبعاد سياسية غاية في الأهمية، مفادها أن الإنسان المغربي جُبل على دفع الضيم ورفض الظلم والانحياز إلى الحق، ورسالتها أن الشعب المغربي مع الشعب الفلسطيني ومقاومته قلبا وقالبا، وأن الكيان اللقيط المجرم لا مكان له بيننا، وإن طبّع مع المطبعين الذين طبَع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون.








