ندوة حقوقية تكشف توظيف السلطة المغربية "قانون الاتجار بالبشر" لإسكات المعارضين

محتويات المقال
نظمت الهيئة الوطنية لمساندة معتقلي الرأي وضحايا انتهاك حرية التعبير بالمغرب، يوم الخميس 1 يونيو 2023 على الساعة التاسعة ليلا، ندوة حقوقية خصّصتها لنقاش موضوع “قانون مكافحة الاتجار بالبشر.. سياقات التشريع ومآلات التنزيل” ملف محمد أعراب باعسو نموذجا.
الندوة التي بثتها قناة “Rifision” الالكترونية، أطرها كل من رئيس منظمة عدالة وحقوق بلا حدود في فرنسا الأستاذ فرانسوا دوروش، وممثل الهيئة الوطنية لمساندة معتقلي الرأي وضحايا انتهاك حرية التعبير بالمغرب الأستاذ فؤاد عبد المومني، ومنسق هيئة دفاع الدكتور باعسو المحامي بهيئة الدار البيضاء الأستاذ حسن هروش، وأدارها رئيس الفضاء المغربي لحقوق الإنساني المحامي الأستاذ محمد النويني.
وعرج النقاش الذي كان تفاعليا بين المنشط والمتدخلين، على ثلاث محاور رئيسة تمثلت في السياق الدولي والوطني لتشريع قانون مكافحة الاتجار بالبشر، وتوظيف القوانين في استهداف المعارضة والمدافعين عن حقوق الإنسان، والخروقات المسطرية والقانونية التي طالت ملف الدكتور محمد أعراب باعسو.
كأن السلطات المغربية سنّت هذا القانون لملاحقة وتشويه المعارضين
في البداية أبدى الأستاذ فرانسوا دوروش، سروره باهتمام الدولة بجرائم الاتجار بالبشر وإفرادها إياه بقانون خاص، وتمنياته بأن “تطبق أحكام هذا القانون على من يستغلون حاجة وفقر بعض الفئات الضعيفة ويجعلونهم محطة مزاد علني في سوق النخاسة”، مؤكدا أن “روح القانون في الأصل روح حقوقية، غير أن تنزيلها على أرض الواقع أصبح وسيلة لقمع وتشويه الأصوات المعارضة والأقلام الحرة”، ومنبها إلى أن هذا الخلل الذي يشوب التنزيل لا يقتصر على الدول العربية والإفريقية فقط، بل يوجد أيضا في بعض الدول الغربية، واستدعى لتوضيح ذلك قضية الداعية “طارق رمضان في فرنسا الذي توبع بتهم مرتبطة بالجنس، كما هو الشأن لعدد من الصحفيين وبعض المعارضين في المغرب”، وخص بالذكر الصحفيين: توفيق بوعشرين وعمر الراضي وسليمان الريسوني، الذين يجتمعون حول قاسم مشترك “هو قلمهم المزعج والمنتقد للسياسات العمومية للدولة”، وأيضا السيد محمد أعراب باعسو.
وبناء على متابعته لهذه الملفات قال دوروش إن “الملاحظ كأن السلطات المغربية سنت هذا القانون لملاحقة وتشويه المعارضين لا لمحاربة الجريمة ومحاسبة المجرمين الحقيقيين، يشهد على ذلك العفو وإطلاق سراح مغتصبي الأطفال في المغرب فقط لأنهم يحملون الجنسيات الأجنبية”، ليتساءل باستنكار: أين هي إذن صرامة الدولة ودورها في حماية أطفالها ونسائها من هؤلاء المجرمين؟
وذكر دوروش ببعض قواعد القانون الدولي بخصوص جريمة الاتجار بالبشر، مستحضرا ما جاء في بروتوكول الأمم المتحدة لمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، واتفاقية مجلس أوربا لمكافحة الاتجار بالبشر لعام 2005.
واستنكر الطبيب الشرعي أمام القضاء الفرنسي ما يفعله السياسيون معتبرا إياه “نوعا من الخبث السياسي، بهدف تصفية المعارضين”. وذكر بالتشديد الذي يعرفه القضاء في فرنسا في الإجراءات الشكلية للتعامل مع المتهمين، واعتبر أن هذا التشديد إنما جعل لخدمة المتهم، ذلك أن تهمة الاتجار بالبشر سهلة الإلصاق بالأشخاص لكنها صعبة الإسقاط عنهم، فحتى لو أسقطها القضاء فإنها تبقى في أذهان الناس، يقول دوروش، ليؤكد مطلب الصرامة والجدية في التعامل مع هذه التهمة.
الاعتقال التعسفي والاعتقال الاحتياطي يفندان رواية النظام
من جهته، فنّد الأستاذ فؤاد عبد المومني خطاب النظام التبريري لاعتقال المعارضين بتهم الاتجار بالبشر، وأكد أن هذا الخطاب يقف أمامه عنصران، أهمهما النسق الداخلي للضمانات القانونية للمحاكمة العادلة، الذي يفترض أن لا تنتهك بشكل منهجي في حالة هؤلاء الضحايا الذين نتحدث عنهم. وذكر عددا من الانتهاكات المشتركة في عدد من ملفات معتقلي الرأي، ومن شأنها أن تفند هذا الخطاب، أولها الاعتقال التعسفي، وقد أقرته لجنة الاعتقال التعسفي التابعة للأمم المتحدة، وأقرت بحالتين على الأقل وهما توفيق بوعشرين وسليمان الريسوني اللذين تعرضا لهذا النوع من الاعتقال، وقالت إنه "يلزم إطلاق سراحهما فورا وتعويضهما وضمان عدم تعرضهما لأي مضايقات من هذا القبيل، ومحاسبة الجهات التي ساهمت في هذا الاعتقال التعسفي".
إضافة إلى الاعتقال التعسفي الثابت، هناك أيضا الاعتقال الاحتياطي الذي يدوم مددا طويلة فضلا عن الخروقات في الشكل، حيث إنه لا يمكن للجهة التي تأمر بالاعتقال الاحتياطي أن تقوم بذلك إلا بقرار معلل، "والحال أنه لا يوجد تعليل مقنع عمليا في الحالات الماثلة أمامنا في هاته الملفات، لذلك نسمع ما يقولون عنه "لضرورة استمرار التحقيق" ولا وجود للشروط والعلل المادية والمباشرة والمحددة في النازلة المعنية التي تقتضي بالضرورة أن نحرم شخصا يعتبره القانون بريئا في هذه المرحلة من حريته".
ومن الانتهاكات المشتركة بين عدد من الضحايا وفق حديث عبد المومني، هناك "عرقلة التواصل مع الدفاع وعرقلة الحصول على ملفات المتابعة في حالات عديدة"، كما أن هناك تعاملا تمييزيا مع أطراف تسير في اتجاه اتهام حاملي الرأي وتُمَتَّع بكامل الامتيازات، في حين يحرم منها الآخرون". وأضاف عبد المومني إلى هذه العناصر، عنصري "الأحكام الجائرة"، و"تسريب الملفات لصحافة التشهير"، موضحا أن كل هذه العناصر تندرج ضمن سياسة الترهيب، وتابع: "الترهيب ليس فقط في حق المعنيين بالأمر، ولكن ترهيب كل النخب في البلد وكل من يمكن تسول له نفسه التعبير عن آراء يمكن أن يشكل إزعاجا للسطلة".
خروقات بالجملة في ملف باعسو والاعتقال بات تحَكُّميا
وفي مداخلاته أكد الأستاذ حسن هروش أن "ملف الدكتور محمد أعراب باعسو ملف شاهد على التوظيف السياسي للقوانين ضد المعارضين والمزعجين للسلطة". هذا الملف، يضيف منسق هيئة دفاع باعسو، شابته مجموعة من الخروقات إن على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون؛ سواء خلال فترة البحث التمهيدي أو خلال التقديم أمام النيابة العامة، وحتى في مرحلة التحقيق التي يتصدى لها قاض، وهي مرحلة مفعمة بالضمانات مثل حضور الدفاع والمثول أمام سلطة قضائية.
وعدد هروش بعضا، وليس حصرا من هذه الخروقات ومنها: أن الضابطة القضائية خرقت الضمانات التي نصّ عليها المشرع في دستور 2011 خاصة الحقوق الدستورية التي كفل من خلالها حقوق المشتبه بهم خلال مرحلة البحث التمهيدي، ومن أهمها إشعار الموقوف بدواعي اعتقاله، وفي حقه في الصمت، وحقه في المساعدة القانونية والاستعانة بمحامٍ أو تعيينه له.
أما الخرق الثاني، يواصل العد، هو الذي يتعلق بخرق الفقرة الأولى من المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية المتعلقة بإجراءات الوضع رهن الحراسة، باعتباره إجراءً استثنائيا. وذكر منسق الدفاع أيضا خروقات أخرى منها انعدام حالة التلبس باعتبارها وصفا عينيا للجريمة كما جاءت مقتضياتها في المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية، وخرق مبدأ السرية في البحث التمهيدي والتحقيق وخرق مبدأ العلنية أثناء المحاكمة . كما طالبت هيئة الدفاع حسب منسقها بالإفراج عن الدكتور باعسو ومتابعته في حالة سراح لتوفر الضمانات القانونية لحضور الدكتور أمام هيئة المحكمة، إلا أن المحكمة، يؤكد، "رفضت أزيد من 20 طلب افراج عن الدكتور باعسو". مما يجعل اعتقاله الآن يرقى، في نظر هيئة الدفاع، إلى مستوى "الاعتقال التحكمي وليس الاحتياطي. وكل هيئة تتمادى في هذا المسار التحكمي لن تكون بمنأى عن المساءلة مستقبلا".
وفي ختام كلمته أجمل الخروقات كثيرة وتستعصي على العد، وستفصح هيئة الدفاع في حينه عن جملة من الخروقات الأخرى. وأكد السيد المنسق أن هيئة الدفاع لن تتوانى عن سلوك كل المسالك القانونية المتاحة الوطنية والدولية لإنصاف الدكتور باعسو ومتابعة وملاحقة كل من ثبت مساسه بحقوقه تنفيذا للمبدأ الكوني في عدم الإفلات من العقاب.









