ذ. عبادي في “رجل ومسار”: من وجدة إلى محنة الحصار والاعتقال… ابتلاءات زادت الجماعة رسوخا وانتشارا

Cover Image for ذ. عبادي في “رجل ومسار”: من وجدة إلى محنة الحصار والاعتقال… ابتلاءات زادت الجماعة رسوخا وانتشارا
نشر بتاريخ

في الحلقة الثامنة من برنامج “رجل ومسار” الذي تعرضه قناة الشاهد بودكاست، ويقدمه الأستاذ منير الجوري، واصل فضيلة الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، بسط محطات من مساره الدعوي والتنظيمي، متوقفا هذه المرة عند مرحلة انتقاله إلى مدينة وجدة سنة 1987، وما رافقها من توسع دعوي وتنظيمي للجماعة في المنطقة الشرقية، ثم ما أعقب ذلك من تضييقات واعتقالات وحصار للإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله، قبل أن يتناول سياق تأسيس مجلس النصيحة وموقع التربية في مشروع الجماعة.

واستأنفت الحلقة من حيث انتهت سابقتها، بعد الحديث عن إقامة الأستاذ عبادي بمدينة سطات وما تعرض له فيها من مضايقات، شملت منعه من إلقاء الدروس في المساجد، والتضييق عليه في السكن والعمل. ومن هذه المحطة انتقل الحديث إلى وجدة، التي قصدها بناء على طلب الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، بعدما اتصل به عدد من الإخوان في المدينة، فكان لا بد ممّن ينتقل إليهم لتأهيلهم وتربيتهم ومواكبة العمل الدعوي والتنظيمي الناشئ هناك.

وأوضح الأستاذ عبادي أنه اقترح نفسه لهذه المهمة، فانتقل بأسرته واستقر بمدينة وجدة، التي لم تكن غريبة عنه تماما، إذ سبق له أن مر بها في مرحلة طلبه للعلم الشرعي. ووصف أهل وجدة والشرق عموما بأنهم أهل صدق ورجولة وشجاعة، يعيشون في مجتمع محافظ، تنتشر فيه الطرق الصوفية وتحضر فيه أيضا بعض الحركات الإسلامية. وأشار إلى أنه وجد في المدينة صلات دعوية قائمة، سواء مع جماعة التبليغ أو مع فاعلين إسلاميين آخرين، ومنهم من كان ينشط في إطار جمعيات وهيئات دعوية وتعليمية، خاصة في مجال تعليم القرآن الكريم. أما بخصوص جماعة العدل والإحسان، فقد أكد أن العمل لم يبدأ معه من الصفر، بل وجد هناك نواة قائمة وأسرًا متفرقة في وجدة ومحيطها، وفي عدد من مدن المنطقة الشرقية مثل جرادة وتاوريرت والناظور وبركان، مما يعني أن حضور الجماعة في الشرق كان قد بدأ يتشكل قبل وصوله.

وتوقف مقدم البرنامج عند سنة 1987، باعتبارها السنة التي انتقل فيها الأستاذ عبادي إلى وجدة، وسأله عن الخطوات الأولى التي قام بها لترسيخ مشروع الجماعة في المدينة، خاصة أن الأمر لم يكن مجرد انتقال عادي، بل كان انتقالا في إطار مشروع دعوي وتنظيمي له أهدافه ومراميه. وفي جوابه، ذكر الأستاذ عبادي أن نشاطه في وجدة ارتكز، منذ البداية، على فتح البيوت للدعوة إلى الله. فقد تنقل بين أكثر من عشرة منازل، وكان كلما اكترى منزلا جعله فضاء مفتوحا للدعوة الخاصة المرتبطة بأعضاء الجماعة، وللدعوة العامة التي يحضرها عموم الناس. وكان عصر يوم الجمعة موعدا لمجلس مفتوح، إضافة إلى لقاءات ليلية خاصة بالإخوان، تعقد في منزله أو في بيوت أخرى. أما على مستوى المسجد، فقد بيّن أن الأمر كان يقتضي الحصول على رخصة، وأنه حاول مرارا ولوج المسجد لإلقاء الدروس، لكنه منع سواء بالرخصة أو بدونها، إلى أن تمكن لاحقا من الحصول على رخصة في مسجد الجوهرة، حيث بدأ يلقي دروسا قبل صلاة الجمعة، وكان لها أثر في الناس.

ولم يقتصر نشاطه على المساجد والبيوت، بل امتد أيضا إلى الوسط الطلابي، حيث كان طلبة الكلية يستدعونه لإلقاء المحاضرات. غير أن هذا النشاط لم يكن دائما متاحا بسهولة، إذ كانت بعض المحاضرات تمنع، وأحيانا كان يسمح بها، بل إن السلطات كانت تلجأ في بعض المناسبات، خاصة في الحي الجامعي، إلى قطع التيار الكهربائي للحيلولة دون وصول صوته إلى الطلبة.

وعند الحديث عن المستوى التنظيمي للجماعة في نهاية الثمانينيات، أوضح الأستاذ عبادي أن تلك المرحلة عرفت توسعا ملحوظا في مختلف المناطق. فقد كان الإخوان الأوائل، كما قال، يواصلون الليل بالنهار في التواصل مع الناس، وفي عقد الرباطات واللقاءات التنظيمية، مما أدى إلى اتساع كبير في الحضور الدعوي والتنظيمي للجماعة. غير أن هذا التوسع لم يمر دون أن يثير انتباه السلطة، التي سعت، بحسب عبادي، إلى توقيف هذا المد أو الحد منه. وهكذا بدأت سلسلة من الاعتقالات والمضايقات، استهدفت المنازل وأنشطة الجماعة بصفة عامة، واشتدت أكثر مع سنة 1989، إلى أن بلغت مرحلة الحصار والإقامة الجبرية المفروضة على الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، ثم اعتقال أعضاء مجلس الإرشاد.

وفي استحضاره لهذه المرحلة، شدد الأستاذ عبادي على أن التأثير كان عكس ما كانت تريده الدولة، إذ إن المحن تربي الإنسان وتصقل إيمانه. فالمضايقات، والسجون، والأحكام، وما تعرض له بعض أعضاء الجماعة في مخافر الشرطة من تعذيب نفسي وجسدي، لم تؤد إلى تراجع التنظيم، بل زادت أعضاءه رسوخا وقوة وحماسا في الدعوة إلى الله، وأسهمت في انتشاره أكثر. وأشار إلى أنه بعد فرض الحصار على الإمام المرشد، وبحكم حرصه على سلامة الإخوان، طلب منهم أن يوقفوا أنشطتهم مؤقتا، وأن يتجنبوا الاجتماعات المكثفة، والاكتفاء بلقاءات صغيرة من خمسة أو ستة أفراد حتى لا يثيروا انتباه السلطة. غير أن هذه الفترة لم تدم إلا شهورا قليلة، قبل أن تعود الجماعة إلى أنشطتها المعتادة، بل أكثر مما كانت عليه من قبل.

وتحدث الأستاذ عبادي عن اتساع رقعة المضايقات، مبرزا أنها لم تكن مقتصرة على مدينة بعينها، بل شملت مناطق متعددة من المغرب، منها فاس والقنيطرة وأكادير وتارودانت. وكان من بين ما استحضره في هذا السياق الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بالقنيطرة، والذي اعتبره محطة مهمة، لأنه أبطل تهمة الانتماء إلى جماعة محظورة أو غير قانونية، وهي التهمة التي كانت تلصق بالمعتقلين من أعضاء الجماعة. وقد خرج الإخوان، كما قال، من تلك المحطة “مرفوعي الرأس”.

ثم انتقل الحوار إلى لحظة اعتقال أعضاء مجلس الإرشاد. وأوضح الأستاذ عبادي أن أعضاء المجلس كانوا يعقدون اجتماعا شهريا في بيت الإمام المرشد، يحضره من الإخوان من يتسع لهم المنزل. وحين فرض الحصار على الأستاذ عبد السلام ياسين، كان هناك لقاء آخر مقرر سلفا، يتعلق برجال التعليم، فلما وصلوا إلى باب المنزل وجدوا حراسة مشددة، ليتم اقتيادهم في سيارات الشرطة إلى المخفر، حيث بقوا أسبوعين في ظروف وصفها باللاإنسانية، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، قبل أن يقدموا إلى المحاكمة ويحكم عليهم بسنتين نافذتين.

ولم يقدّم الأستاذ عبادي صورة سوداوية خالصة عن أجواء السجن، بل وصف تلك المرحلة بأنها، رغم ظاهرها القاسي، كانت محفوفة برحمة الله. فقد انكب الإخوة داخل السجن على حفظ كتاب الله، وقضوا أيامهم بين القيام والصيام والذكر والدعاء. وكان لكل واحد منهم برنامجه الخاص طيلة النهار، يغلب عليه الارتباط بالقرآن الكريم، ثم يجتمعون عند الإفطار بعد المغرب ليتناقشوا في قضايا وأحكام شرعية ومعان تربوية. كما أشار إلى أن فترات الخروج إلى ساحة السجن كانت تتيح لهم أحيانا بعض التواصل مع السجناء، وإن كانت المدة لا تسمح بنشاط واسع. وذكر أيضا أن الأستاذ عبد الله الشيباني التحق بهم في الاعتقال، بعدما جاء إلى الكوميسارية للاطمئنان عليهم بناء على طلب الإمام المرشد، فتم إلحاقه بهم. ورغم وجودهم في السجن، كانت أخبار الجماعة تصل إليهم عبر زيارات الإخوان والأهالي، وهو ما كان يمدهم بالثبات والطمأنينة. فقد كانت الزيارات، بحسب الأستاذ عبادي، مناسبة لمعرفة ما تعيشه الجماعة من نشاط وهبة وأحداث، وكانت تلك الأخبار تشجعهم وتطمئنهم على مصير الجماعة.

وفي سؤال عن كيفية تدبير الجماعة لمرحلة عزل مرشدها واعتقال قيادتها وصفها الأول، أوضح الأستاذ عبادي أن هذا الاحتمال كان متوقعا، ولذلك كان الصف الثاني مهيأ لتدبير شؤون الجماعة في غياب مجلس الإرشاد. وقد تولى هذا الصف، بشكل تلقائي، مواصلة العمل، وبقيت الجماعة تمارس أنشطتها على نحو حسن، بل قال الأستاذ عبادي إن أداءها كان أحيانا أحسن مما كان عليه الأمر حين كان الصف الأول يتولى تدبير الأمور مباشرة.

وتوقفت الحلقة أيضا عند الحوار الذي عرض على أعضاء مجلس الإرشاد وهم داخل السجن. وذكر الأستاذ عبادي أن تلك المرحلة تزامنت مع صعود الحركة الإسلامية في الجزائر، وأن المغرب أراد أن يظهر بمظهر من يفتح المجال أمام الدعوة الإسلامية، فبعث وسائط للتوصل إلى حل والاعتراف بالجماعة، لكن وفق شروطه. وكان من بين هذه الشروط، كما قال، إعلان البيعة، وكتابة رسالة لطلب العفو. ورفض أعضاء مجلس الإرشاد هذا المنطق، مؤكدين أنهم ليسوا مجرمين حتى يطلبوا العفو. وقال الأستاذ عبادي إنهم أبدوا استعدادهم للقاء الملك إن أراد ذلك، لكنهم لم يقبلوا صيغة الاعتذار أو طلب الصفح. غير أن هذا الجواب لم يعجب السلطة، فجاء الرد قاسيا عبر اعتقال طلبة وجدة، بل التنظيم كله في المدينة، حيث اعتقل ثلاثة وخمسون أخا، قضى بعضهم سنتين، وآخرون ثلاث سنوات، وآخرون خمس سنوات، فيما حكم على اثني عشر منهم بعشرين سنة، وعلى اثنين بالمؤبد غيابيا. ورأى الأستاذ عبادي أن تلك الاعتقالات جاءت في سياق الضغط على الجماعة بسبب رفضها الشروط المعروضة عليها، لكنه عاد ليؤكد أن في تلك المحنة خيرا كبيرا، لأنها لم تكسر الجماعة، بل زادتها قوة وتماسكا.

وبعد خروجه من السجن، وجد الأستاذ عبادي، كما قال، أن الجماعة توسعت توسعا كبيرا لم يكن يتخيله. وفسر ذلك بأن الأحداث التي بدت في ظاهرها ضربات موجعة، من حصار واعتقالات ومحاكمات ومداهمات، كانت في عمقها سببا في زيادة انتشار الجماعة وتقوية ارتباط أعضائها بها. واستحضر في هذا السياق محاكمتهم يوم 8 ماي 1990، حين هب الإخوان من مختلف مناطق المغرب لمؤازرتهم، ودخل بعضهم إلى قاعة المحكمة، بينما زُج بكثيرين في مخافر الشرطة. ووصف ذلك اليوم بالمشهود، خاصة أنه تزامن مع الإعلان عن تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في المغرب، فكان فيه حرج كبير للدولة. كما أشار إلى محاكمة طلبة كلية الطب بالدار البيضاء، حيث هبت الجماعة بمختلف مكوناتها لمناصرتهم، فامتلأ الشارع المحاذي للمحكمة في وقت قصير، مما فاجأ السلطات وأظهر حجم الامتداد الشعبي والتنظيمي الذي حققته الجماعة.

وفي سياق هذه الأحداث، تناول الحوار إعلان القطاع الطلابي لجماعة العدل والإحسان عن نفسه كفصيل داخل الساحة الجامعية. واعتبر الأستاذ عبادي أن ظهور صوت إسلامي داخل الجامعة لم يكن أمرا مسموحا به بسهولة، وأن الطلبة الأوائل الذين أسسوا العمل في الجامعات تحملوا معاناة شديدة. وجاء هذا الإعلان، في نظره، ضمن سياق مدافعة قاسية كان فيها الوجود الإسلامي داخل الجامعة يواجه تضييقا وممانعة.

ثم انتقلت الحلقة إلى محطة تربوية مركزية في مسار الجماعة، هي تأسيس مجلس النصيحة سنة 1996. وذكّر مقدم البرنامج بأن التربية والتزكية كانتا منذ البداية من المقومات البنيوية لفكر الجماعة ومشروعها، قبل أن يسأل الأستاذ عبادي عن دواعي إنشاء هذا المجلس وبرنامجه. وأوضح عبادي أن مجلس النصيحة مجلس تربوي بالأساس، نشأ أولا في فاس بمبادرة من بعض الإخوان الذين كانوا يجتمعون فيما بينهم، ثم تطور لاحقا ليصبح إطارا تربويا أوسع. وكان الدافع إلى إنشائه هو الحرص على ألا تنحرف الجماعة عن تيارها الأساسي وعمودها الفقري، أي التربية. فالمجلس جاء ليحافظ على لب الجماعة، المتمثل في الدعوة إلى الله، ومعرفة الله، ومراقبة الله سبحانه وتعالى. وقد بدأ مجلس النصيحة، بحسب شهادته، مجلسا واحدا، ثم تعددت المجالس في معظم المناطق، ولا تزال قائمة تؤتي ثمارها. أما محوره الأساسي فهو كتاب الله سبحانه وتعالى حفظا وفهما ومدارسة، إلى جانب الذكر والقيام والصيام ومدارسة الآيات والمذاكرة في المعاني التربوية التي تجمع القلوب على الله.

وبيّن أن اختيار اسم “النصيحة” مستمد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة“، بما يحمله من دلالات تشمل النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم. ولذلك فهذه المجالس، في تصور الجماعة، ليست مجرد لقاءات تنظيمية، بل فضاءات لتجديد الصلة بالله، وتغذية القلوب بنور القرآن، وتربية الأعضاء على معاني الصدق والآخرة ولقاء الله.

وختم الأستاذ عبادي هذا الحوار بالتأكيد على أن مشروع الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله كان يروم أن تسود روح مجلس النصيحة كل مجالس الجماعة، كيفما كانت طبيعتها، أي أن يظل التعلق بالله، والعلاقة الإيمانية بين المؤمنين، والصدق في طلب الآخرة، حاضرا في مختلف الأعمال واللقاءات. واستحضر في هذا الصدد توجيه الإمام للإخوان إلى أن يختاروا لمثل هذه المجالس من ظهرت عليهم علامات الصدق والاهتمام بالآخرة، حتى يظل مجلس النصيحة متميزا عن سائر المجالس، لا يحضره إلا من يحمل هم لقاء الله والسير إليه.